يسير المثقف جنبا إلى جنب مع مؤسسات الوطن الأمنية والاجتماعية، في مسار تنمية الحس الوطني لدى جميع أفراد المجتمع، حتى يبقى أبناء هذا الوطن لحمة واحدة، ويدا واحدة.
وحول دور المثقف في تنمية الحس الوطني كانت هذه الآراء لبعض المثقفين:يقول الكاتب والباحث والأكاديمي زيد بن علي الفضيل: الحس الوطني لا يقتصر على ترديد الشعارات، وإنما يمتد إلى حتمية الفعل السلوكي الواجب اتباعه والقيام به، إذ وعلى الرغم من أهمية إنتاج مختلف الشعارات والنصوص الممجدة للوطن شعرا أو نثر، مقالا أو تأليفا، لتعزيز وتنمية الحس الوطني إجمالا، بوصفها انعكاسا طبيعيا لواقع وتنامي الشعور الإيجابي إزاء الوطن، إلا أن قيمة كل ذلك تنعدم في حال مخالفة المثقف لقواعد السلوك الإيجابي المعزز للانتماء الإيجابي للوطن، لكونه منتجا للنصوص الإبداعية الوطنية وحاملا للوعي الوطني، وبالتالي مسؤولا عن تطبيق ما يغرد به من شعارات براقة.
من جهتها، تقول الأستاذ المساعد بجامعة تبوك عائشة يحيى الحكمي: إنه قبل الدخول في دور المثقف لا بد أن نعرف من هو المثقف، والمسمى يعبر عن نفسه، فهو فرد من أفراد المجتمع، زائد علم ومعرفة والتزام، وبهذه المعادلة، يقوم بدوره في مجتمعه.
وتضيف الحكمي أن المثقف ركيزة من ركائز النهضة، يحفظ توازن المجتمع بكل ما يرسله من رؤى واقتراحات وتوجيهات وأطروحات توجه التفكير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والتربوي.
وتشير الحكمي إلى أنه حين بدأ الملك عبدالعزيز مشروعه في تأسيس الدولة أخذ المفكرون والأدباء مساندته، فتبنوا الدعوة إلى التآخي والتعاون والتعاضد بين أبناء المجتمع، للمضي قدما ومتابعة المشاريع النهضوية والدعوة إلى كل جديد، ومحاربة الركود والجمود، والدعوة إلى الاندماج مع التحضر والأخذ بأسباب العلم والمعرفة.
ومن أولويات المثقفين في تلك المرحلة تعزيز روح الانتماء والوحدة والوطنية بين أفراد المجتمع عبر جميع الوسائل وكان تبنيهم صادقا مخلصا لدينهم ووطنهم يمجدون ويشيدون بالمنجزات كنوع من التشجيع والدعم لمواصلة المسيرة ولم يكن نفاقا أو تزلفا، خاصة حين لمسوا في حكومة المملكة الحكمة والشجاعة في مواجهة كل الظروف، وتسخيرها لخدمة الدين والمجتمع وبعد أن لمسوا وعاشوا الثمار، كرسوا جهودهم لتعزيز مشاعر المواطن تجاه وطنه وطرح قضاياهم وتقديم الخدمات لهم ودعوتهم إلى حماية وطنهم والحرص على مكتسباته والعمل على المضي به قدما.
فكان مسار الخطاب منذ ذلك الوقت والمثقف يشحن عواطف المواطنين باتجاه وطنهم ومصالحه والذود عنه والرفع من شأنه على كل الصعدفترسخ مفهوم الانتماء والولاء والوطنية وما زالت أدوار المثقفين تتضاعف بعد أن أدرك المواطن العادي دورهم.
إلى ذلك، تشير الكاتبة الصحفية بدرية البليطيح إلى أن للثقافة أهمية كقوة فاعلة كفيلة بمواجهة قوى الجهل والتخلف، التي تستند إلى الماضي المظلم ولا تراهن على المستقبل المشرق بالمدنية والمواطنة المتساوية.
وتبين البليطيح أن الفعاليات والممارسات التراثية والثقافية، التي يتبناها المثقفون والمراكز الثقافية والتعليمية، تشكل إحدى الوسائل الأساسية المهمة في تكوين وتعزيز الانتماء الوطني، وخدمة الوطن والمساهمة في حل القضايا التي تواجه المواطن، من خلال المشاركة في برامج الخدمة الاجتماعية والتوعية العامة في مختلف المجالات والفعاليات، فكل مثقف هو سفير لبلاده يحمل رسالته ويرسم صورته للشعوب الأخرى ومتى ما غيب دوره انتكس وتلاشى إبداعه.
وتؤكد البليطيح على الأهمية البارزة للمشاركات الثقافية المنظمة وفق خطط مدروسة في الاحتفالات الوطنية والمناسبات العصرية، فمن خلالها يمكن تجسيد معاني الإيمان بالله، والتضحية من أجل الوطن، والوفاء للأرض التي وفرت الأمن والرعاية للآباء سابقا، وللأجيال القادمة لاحقا.

«على كل مثقف أن يسخر فكره وأطروحاته في ما يخدم المجتمع، ففي التعليم والتربية، لا نغفل دور بعض المثقفين منذ بداية النهضة الحضارية، ومنهم أحمد السباعي، الذي جعل تعليم المرأة وتربيتها رسالته في الحياة، بصفتها أهم مدرسة لإنتاج الأجيال القادمة، وأن أي خلل في تربيتها سيترتب عليه خلل في البنية الحضارية الناشئة، فكرس جهوده لهذه الرسالة، وهذا ما نعني به الالتزام تجاه القضايا».
عائشة الحكمي

«إن دور المثقف يكمن في تحويل ما يصدح به إلى واقع ملموس، وهنا يصبح للقول مصداقية، إذ كيف يمكن أن يتعزز الشعور بالانتماء للوطن عبر مختلف السلوكيات الاجتماعية والوطنية ورائد تلك الأقوال لا يعمل بها.
من هنا أرى أن على المثقف مسؤولية كبيرة في أن يكون حارسا للقيم، محافظا على صدقيتها، مترجما كل ذلك في مختلف أفعاله، فالوطن ليس شعارا يكتب وإنما فعل يمارس».
زيد الفضيل

«يستطيع المثقف، وهو الأقرب لقضايا مجتمعه، بوعيه واستشعاره للمسؤولية الوطنية والدينية، ومن خلال ما أتيح له من وسائل تقنية عصرية ميسرة، أن يزيل رواسب التخلف والقبلية والتحزبات والعنصرية، وحرب المذاهب الدينية، التي تلقي بآثارها السلبية على المجتمع، وتفكك روابطه وعلاقاته، وتجعل منه مجتمعا هشا متهالكا عاجزا عن مواجهة مشكلاته الداخلية فما بالك بالتحديات الخارجية التي تحتاج للوحدة والوسطية والانتماء للوطن والدين وطاعة ولي الأمر».
بدرية البليطيح