مفهوم التنوع (التعدد والتعددية والاختلاف) قد يكون مفسدَ كل حوار إيجابي مثمر إذا ما أسيئت مراقبته وإدارته. ففي وسط مبعثر سياسيا وحامل لكسور ثقافية شتى، وبمحضر قنوات تواصل مهشمة، إن ذلك المفهوم، كعلامة غنى مفترض، لا يعدو أن يكون محارة فارغة ووعاء أجوف وخدعة، تترتب عليه عواقب وخيمة، منها أن التعدد مثلا في غياب التواصل يستحيل إلى تشرذم وتقدد (من القديد)، كما هو الحال في بلقنة الأحزاب السياسة والنقابات؛ فالحق في الاختلاف مثلا la différence المطلوب بالهتاف والإلحاح، يتحول في الممارسة الفعلية إلى حق في اللامبالاة l’indifférence وبالتالي فكلاهما يفضي إلى التنابذ والكراهية بين الذوات وإلى خطابات البارانويا والانضواء الفصامي. والحال أننا في هذا المجال نواجه أيضا تصورات سائبة ولا منتجة، بحيث تنتهي إلى إقامة حيطان عازلة بين الأوعاء الجماعية وحتى الفردية، لعلها الأخطر من سواها، وذلك بسبب انتمائها إلى دوائر الرمزي واللامادي، وهذا ما ليس خصيصة البيوتنوع القائم أساسا على مبدأ التماسك والتواشج.
إن أسوأ التراجيديات هو أن يصير الإنسان عصيا على الإنسان في حقل الإدراك والتعرف، وأسوأ منه أن يحدث ذلك بين أناس عاشوا تاريخا مشتركا، ومعا كافحوا ونشدوا وأنشدوا وشيدوا... إن إرادة الحياة معا وتشكيل مجموعة اتحادية قوية، حرة كريمة: هناك زمر يرومون عرضها على الهدم؛ زمر ليس في أفواههم سوى كلمات لا تتسع إلا لبضع أفكار قارة متصلبة، سليلة انخراطات بئيسة مستلبة، تدور حول القطعيات العقدية والسلوكات العنيفة، وحول العرق والقبيلة والطائفة.
والمستخلص أن مفهوم التنوع الحق هو ما يمكننا تعريفه كقانون إطار حيث التواصل التعارفي والتبادلي بمثابة قاعدة لا يستقيم سيرها ووظيفتها إلا بضمان الندية والسواسية. وإلى هذه القاعدة المؤسسة تشير الآية الكريمة ﴿إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى. وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾...