عندما قامت ميليشيا تسيطر على موانئ ليبيا الشرقية بتحميل ناقلة ترفع علم كوريا الشمالية بالنفط في الشهر الماضي، قرر المؤتمر الوطني العام عزل رئيس الوزراء ولجأ إلى القوات الأمريكية الخاصة لإعادة الحمولة إلى ليبيا.
على مدى أيام هددت الحكومة بنسف الناقلة مورنينج جلوري إذا غادرت الميناء الليبي.
وعندما أبحرت فعلا طاردتها ميليشيات مؤيدة للحكومة بزوارق تحمل سيارات جيب مركب عليها مدافع مضادة للطائرات ومدافع أخرى.
لكن هذا المسعى لم ينجح وعندما وصلت الناقلة للمياه الدولية قرر المؤتمر الوطني (البرلمان) عزل رئيس الوزراء علي زيدان الذي فر لأوروبا.
وبعد أيام اعتلت قوات أمريكية الناقلة لوضع نهاية لهذه الكارثة.
يعد حادث الناقلة مورنينج جلوري من أبرز الأمثلة حتى الآن على مدى ضعف السلطة المركزية في ليبيا.
فبعد 3 سنوات من الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي أصبحت ليبيا تحت رحمة ألوية متنافسة من المقاتلين المدججين بالسلاح الذين حاربوا لإسقاط القذافي والآن يتحدون الدولة الجديدة علانية.
ولا يكاد برلمان ليبيا يتفق على شيء كما أن حكومتها الموقتة لا تملك جيشا تفرض به الأمن وإرادتها ولم يتم حتى الآن وضع دستور جديد.
وفي هذا الفراغ خطف مقاتلون سابقون زيدان لفترة وجيزة من غرفته بفندق في طرابلس واقتحموا وزارة الخارجية واستولوا على وزارة الداخلية حتى قبل المحاولة الفاشلة لتصدير النفط للخارج.
وبالنسبة لكثير من الليبيين انتهت الفرحة بالحرية وحل محلها شعور بالارتباك.
فقد انزلقت ليبيا إلى خلافات على شكل الدولة مستقبلا تنافس فيها قادة قوات المعارضة السابقون ومنفيون سابقون وإسلاميون وزعماء قبائل إلى جانب الاتحاديين، كل يسعى لتكون له الصدارة.
وأصبح الخطر محدقا باستقرار البلاد وسلامة أراضيها.
خلع الضرس
يجري وزير الكهرباء علي محمد محيريق اتصالات هاتفية لحل مشكلة انقطاع الكهرباء المتكرر في طرابلس وهو يدرك أكثر من غيره مدى صعوبة إدارة دولاب العمل من جديد في البلاد.
فقد عاد الوزير إلى ليبيا بعد أن أمضى 30 عاما في كندا وأصبح مسؤولا لا عن الكهرباء فحسب بل إنه أمضى العام الأخير يقوم بدور الوسيط والمفاوض بين الفئات المتعددة في البلاد.
وقال واصفا محاولة إقناع المقاتلين السابقين بإلقاء السلاح والتخلي عن قواعدهم “الأمر أشبه بخلع الضرس.
فهو مؤلم وصعب ويحتاج أحيانا لمخدر.
فلدينا جماعات مسلحة قوية.
ولحسن الحظ أو لسوئه فهم لا يتفقون مع بعضهم بعضا وهو ما يبقي على استمرار هذه العملية”.
ويبدو أن مجموعات الثوار السابقين والجماعات السياسية والقبائل تتمسك برؤيتها الخاصة لمستقبل البلاد أكثر من استعدادها لقبول الحلول الوسط التي تتطلبها إقامة دولة موحدة.
ففي بنغازي استولت مجموعة من قوى الأمن السابقة لقطاع النفط انشقت بقائدها إبراهيم الجضران في الصيف الماضي على ثلاثة موانئ رئيسة سعيا لتحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي للمنطقة.
كما استهدف الأمازيغ، الذين ظلوا لسنوات طويلة يشعرون أن الأغلبية العربية تضطهدهم، البنية التحتية لصناعة النفط في البلاد.
وأغلق مسلحون من الأمازيغ حقل الشرارة النفطي شهرين في العام الماضي للمطالبة بحقوق أكثر في الدستور الجديد.
واتهمت ميليشيا إسلامية اسمها غرفة عمليات ثوار ليبيا بخطف رئيس الوزراء السابق زيدان واختطاف خمسة دبلوماسيين مصريين لفترة وجيزة في طرابلس لتأمين إطلاق سراح قائدها شعبان هدية الذي اعتقل في مصر.
كما أن ميليشيات متنافسة تؤيد جماعات متنافسة في البرلمان الليبي المنقسم حيث يقف الإسلاميون ويمثلهم حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين في مواجهة تحالف القوى الوطنية الذي يضم أحزابا وطنية وليبرالية بقيادة مسؤول سابق من عهد القذافي.
لكن أقوى مجموعتين في البلاد توجدان غربي العاصمة وأولاهما في منطقة الزنتان الجبلية والأخرى في مدينة مصراتة الساحلية.
وترتبط كل منهما ارتباطا فضفاضا بجماعة سياسية مختلفة ولا تبدي أي منهما استعدادا للتخلي عن السلاح أو الاصطفاف وراء الحكومة.
الرؤية من الزنتان
كان محمد مديرا لمتجر سوبر ماركت خلال سنوات حكم القذافي.
ورفع السلاح في أوائل الانتفاضة في البداية دفاعا عن مدينته ثم للإطاحة بالزعيم الليبي.
وهذه الأيام لدى محمد إحساس جديد بالغضب.
ففي الزنتان يشكو محمد مثل كثيرين من سكانها أنه لم ير شيئا يذكر من الثروة النفطية أو التنمية التي يعتقد أن العاصمة ومدنا أخرى تتمتع بها ويتحسر على نقص الخدمات الأساسية والمدارس الجديدة والمستشفيات بل ومجرد إمدادات المياه.
أما محمد الوقواق رئيس المجلس المحلي لمدينة الزنتان فقال “أهل الزنتان شعروا أن من واجبهم القتال.
ولم يكافؤوا على هذا الواجب”.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت هذه الجماعة تتشبث بأكبر غنيمة حصلت عليها وهي سيف الإسلام نجل القذافي الذي ألقى أهل المدينة القبض عليه وما زالوا يحتجزونه رغم مطالب طرابلس والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتسليمه.
نموذج مصراتة
على مسافة 160 كيلومترا من الزنتان تقع مدينة مصراتة الساحلية التي ازدهرت منذ انتفاضة 2011.
فشهد ميناؤها وهو أكبر الموانئ الليبية تفريغ عدد قياسي من الحاويات العام الماضي.
وقال محمد السويح مدير هيئة المنطقة الحرة بميناء مصراتة وهو يعدد فرص العمل للشركات الأجنبية “تجربة الحرب جعلت الناس يعملون معا ويساعدون بعضهم بعضا”.
ولدى الدبلوماسيين تفسير آخر للوضع الأمني الأفضل في مصراتة وهو أن وحدات عسكرية نظامية تفحص كل السيارات القادمة إلى المدينة وهو أمر نادر في بقية أنحاء ليبيا.
كذلك فإن رجال الأعمال في مصراتة يدفعون للمقاتلين السابقين نظير توفير الأمن.
وأهل مصراتة مقتنعون أن مدينتهم يمكن أن تكون نموذجا لليبيا كلها.
مهمة صعبة
وأحد الأسباب الرئيسة التي جعلت ليبيا تفشل في جمع شتات نفسها بعد الانتفاضة هو الغياب شبه الكامل لمؤسسات قوية للدولة.
فقد كان أول حاكم لليبيا الحديثة هو الملك إدريس الذي كان منكفئا على الداخل وبقي معظم حكمه في شرق البلاد.
وتلاه القذافي الذي شكل البلاد على الصورة التي استهوته.
وتجنب الاثنان إنشاء مؤسسات للدولة وأجهزة محاسبة للمسؤولين واعتمدا بدلا من ذلك على القبائل وسخاء الدولة والوظائف بشركات النفط العالمية.
وساهم ذلك في شراء ولاء الاتباع وخفف من التوترات الاجتماعية.
إلا أنه في حين تضخم عدد العاملين في الدولة ليصل إلى نحو 1.
2 مليون ليبي أي نحو 20% من السكان يعملون بالحكومة والقطاع العام لقيت المؤسسات الإهمال.
وقال علي محمد سالم نائب محافظ البنك المركزي “كل شخص يبحث عن مصلحته ولا يعمل كشعب”.
وقدر أن إقامة دولة تتمتع بالكفاءة سيستغرق خمس سنوات على الأقل.
ويجري تدريب الجيش بمساعدة أمريكية وبريطانية وإيطالية وتركية.
لكن أغلب برامج التدريب ما زالت في بداياتها.
وقال شعبان هدية قائد المجموعة التي قيل إنها اختطفت زيدان والدبلوماسيين المصريين إن جماعته تعمل في واقع الأمر على حفظ الأمن.
وأضاف “نحن الآن بديل حتى يتم إنشاء الجيش والشرطة.
البلد يعيش الآن في مستنقع لأن حكومتنا ضعيفة”.
وبالنسبة لوزير الكهرباء محيريق فإن التقدم بطيء لكنه مستمر.
وقال “الطريق طويل قبل أن يدرك الليبيون أهمية بناء الديموقراطية وبناء دولة”.

