ما بين الحيين، تنتهك حقوق الطفولة على عتبات الأسمنت، تحجرت الدموع، وتساقطت حبات العرق، من أعلى هاماتهم الغضة وكأنها حبات البرد، ساعات لهوهم استبدلت بالعمل الشاق والمضني، ذاك حال أطفال «بورما» في حي الرصيفة الذين يدفعهم آباؤهم لساحة العمل دون رحمة أو مراعاة لبراءة طفولتهم.
الرصيفة والخالدية حيان متجاوران في مكة المكرمة لا يتشابهان في شيء، الأول مخالفاته «تراكمت» وكأنها بنيت معه، والآخر مخطط ومنظم ولا يشكو من شيء سوى أنه جار للأول، الذي منه تسربت المخالفات وكأنها أصابت الأخير بالعدوى، كان مخالفو أنظمة الإقامة والعمل وما زالوا مستوطنين في الأول، واليوم يزحفون إلى الثاني، أوكارهم مرض متنقل، يجدون أقرب موقع فيحرقون فيه مخلفاتهم، ومن بينها بكل تأكيد مسروقات الأملاك العامة.
في ركن قصي ما بين الحيين، في منزل سطحه على مستوى سطح الأرض، يتعاقب المخالفون حاملين أطناناً من الكابلات الكهربائية، يرمونها في نار أشعلوها في دار كأنها «الأخدود» تلتهم البلاستك، ومن ثم يستخرجون النحاس بسهولة استخراج أنفاس الجيران، بالروائح النتنة، والأدخنة القاتلة.
عمدة حي الخالدية محمد سعود الشنبري، ذكر أنه رفع خطابات لأمانة العاصمة المقدسة، بخصوص الأنشطة في المستودعات في أركان الحي من ناحية الرصيفة، مطالباً الجهات ذات الاختصاص بالتحقق من سلامة الأنشطة في المستودعات، وتطبيق الأنظمة واللوائح بحق المخالفة منها، ولم يتغير شيء حتى اللحظة.
يقول معتوق الغامدي من سكان حي الخالدية، على الطرف الموازي لتجمعات العمالة في الرصيفة «سبق أن تقدمنا بعدة شكاوى للشرطة والأمانة، بخصوص الحرائق التي يعمد بعض العمالة لإشعالها في الكيابل، ولكن دون جدوى، وما زالت النيران والأدخنة تتصاعد من نفس المواقع التي سبق أن أبلغنا عنها، وهي تسبب الأذى الشديد لسكان الحيين، وبخاصة مرضى الأجهزة التنفسية، وبكل تأكيد هي ستسبب المرض للأصحاء وخاصة كبار السن، والأطفال».
عبدالله الرياشي من سكان حي الرصيفة يقول «أسكن قريباً من المنازل التي اعتاد العمال حرق الكيابل فيها، وسبق أن أبلغنا عنهم ولم يتبدل الحال، وسبق أن حاولت التفاهم معهم بالحسنى لكنهم لم يعيروني اهتماماً، وأخشى أن يتطور الأمر لمناوشات واشتباكات بالأيدي مستقبلا».
وطالب الرياشي الجهات الأمنية بزيارة الموقع والتواصل مع عمدتي الحيين، اللذين سيقدمان كافة التفاصيل للوضع القائم، محملاً صحة البيئة في الأمانة مسؤولية تردي صحة أبناء الحي، بترخيصها بعض المعامل التي تمارس الأنشطة المخالفة، على مسمع ومرأى من الجميع.
طالب نجيب الرحمن «برماوي» قال «هذه لقمة عيشنا، وأنشطتنا صريحة ومصرحة من الجهات المعنية، واستئجار المعامل قانوني، إذ نبيع ونشتري في المعادن وإعادة تدويرها، دون أي مخالفات، وكل الاتهامات التي تساق ضدنا، عن كوننا نتاجر في المسروقات غير صحيحة، وهي ادعاءات بغرض إغلاق المحلات، لما تسببه من تلوث بيئي بالأدخنة، وهذا أمر نعترف به لكنه شر لا بد منه، فهو نتاج عملنا الشاق لتأمين لقمة عيشنا».
بدوره شدد مدير مركز الدراسات الإسلامية في كلية الشريعة، بجامعة أم القرى، عضو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، محمد مطر السهلي، على ردع الآباء أو سواهم ممن يشغلون الأطفال في الأعمال الشاقة، مشيراً إلى أنه من واجب الجهات الأمنية القبض على من يثبت عليه تشغيل الأطفال وتطبيق القوانين والأنظمة المعمول بها في المملكة عليهم، وإن لم يكونوا من أهل البلاد كونهم يعيشون على أرض المملكة، وأن من واجبات الجمعية رصد هذه الحالات والتعامل معها على الفور، لافتاً إلى أن صحيفة «مكة» نبهتهم إلى أكثر من بلاغ بهذا الخصوص، وأن من واجب وزارة الثقافة والإعلام رفع برامج التوعية في هذا الجانب.
مصدر في الأمانة أشار إلى أن تراخيص المعامل سارية المفعول وعملها حتى اللحظة، وفي حال ثبت ضررها على السكان، ستنقل إلى أماكن أخرى ذات طابع صناعي.