ربَّما لا تعنينا التَّواريخ في بلادنا كثيرًا، وربَّما لا نتوقَّف عندها في قليلٍ ولا كثير، وكأنَّما الأحداث ازدحمتْ فاعتدناها، فاستذكرْناها ونسيناها مَتَى شِئْنا، ولقدْ كان ينبغي لبلادٍ، تاريخُ تكوينها حديثٌ، أنْ تحتفل بما مَرَّ بها مِنْ أحداث احتفالًا عظيمًا، ولكنَّنا آثرْنا أنْ تَعْبر بنا دُونَ أنْ نُلْقي لها بالًا.
حِينَ أَظَلَّنا عام 1423هـ تَذَكَّرْتُ أنَّ مدرسة «الفَلَاح» استوفتْ مِنْ عُمرها مئة عام، ومَضى العام ولمْ يَعْنِ لوزارة التَّربية والتَّعليم، ولا القائمين على أَمْر المدرسة شيئًا. وفي سنة 1426هـ تَوَهَّمْتُ أنَّ وزارة الثَّقافة والإعلام ستحتفل بمرور مئة عام على نشأة الصِّحافة في هذه البلاد، ولكنَّ ذلك لمْ يكنْ. وما إنْ وافانا عام 1434هـ حتَّى أَملْتُ أنْ سنحتفي بمُضِيّ تسعين سنةً على صُدُور أوَّل كتاب في الأدب الحديث في المملكة، وأعني به «أدب الحجاز» الَّذي أصدره محمَّد سرور الصَّبَّان سنة 1344هـ.
لمْ نحتفِلْ بالمناسبةِ، ولكنَّي لمْ أَدَعْها تَمُرّ بنا مَرًّا، وإنْ لمْ يَعْنِ لبعض مؤسَّساتنا الثَّقافيَّة أنْ تحتفل بها، فأقلُّه أنْ نُذَكِّر في مواقع التَّواصل الاجتماعيّ بكتابٍ كان صُدُوره فصلًا جديدًا في ثقافة الجزيرة العربيَّة. وقلتُ: لا بأْس سأحتفل به، وسيحتفل الأدباء والمثقَّفون به، فأنشأْتُ وَسْمًا في موقع التَّواصل الاجتماعيّ «تويتر»، واستعاد المغرِّدون والمتابعون ذِكْرَى عزيزةً ما كان ينبغي أنْ تَمُرَّ بنا ونحن عنها غافلون.
اليومَ نحن في العام 2014م. لِنَرَ ما الَّذي يعنيه هذا العام في غير بلدٍ عربيّ:
مِنَ المؤكَّد أنَّ مِصْر ستحتفل بمِئويَّة رواية «زينب» لمحمَّد حسين هيكل، ومِنَ اليقين أنَّ ندواتٍ، وأعدادًا خاصَّةً مِنَ المجلَّات سَتُذكِّر بانقضاء خمسين سنةً على وفاة العقَّاد. وفي العراق: يستعدّ العراقيُّون للاحتفاء بالشَّاعر بدر شاكر السَّيَّاب، الَّذي تَوَفَّاه الله قبل خمسين عامًا، ولا شكَّ أنَّنا سنستذكر مع المصريِّين والعراقيِّين هيكلًا والعقَّاد والسَّيَّاب.
أعود إلى بلادنا وإلى عامنا الهجريّ الحاضر 1435هـ، وأختم كلامي بأنَّ عامنا هذا ينبغي أنْ يُذْكِرَنا تواريخَ ثقافيَّةً لها شأنها، فهلْ سنستعيد شيئًا منها؟ أمْ تُرَانا سَنُرَدِّد، كُلَّما أحسَسْنا إهمالًا، تلك العِبَارةَ العامِّيَّةَ البليغة: «ما عِنْدَكْ أَحَدْ»!
[email protected]
ما عندك أَحَد!
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
