بدأت تلوح في الأفق الرؤية المستقبلية التي تم ابتدارها قبل عدة شهور حول مشروع تأسيس مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. ما يشجع على وجود هذا المركز هو أنّ الرابطة ما فتئت تعالج القضايا الإسلامية من خلال الدراسات المحكمة. وإزاء تجدد هذه القضايا فإنّ التطلع المشروع إلى تعاون المؤسسات الإسلامية والمتخصصين في الدراسات الاستراتيجية، يقود إلى تحقيق التكامل في العمل الإسلامي بالعمل المشترك والبرامج الطموحة.
كما ساعد على ذلك الفعاليات التي يمكن تلمسها بوضوح في مؤتمري رابطة العالم الإسلامي، خاصة المؤتمر الثاني الذي تم عقده قبل شهر تقريباً بمكة المكرمة. وبرعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود الذي ظلّ ينادي دوماً بإرساء دعائم الحوار بين الشرق والغرب وبين الديانات والحضارات المختلفة. يمكن القول إنّ محاور المؤتمر يصلح كلّ منها لبحث بكامله يتم تدوينه في سِفرٍ عظيم، خاصة وأنّها تنادي في مجملها بضرورة الوقوف عند معوقات التضامن والتباحث في حال الأمة الإسلامية مع وضع خطط للتواصل والحوار مع مؤسسات العالم الخارجي. وفي وجود المركز سيكون من السهل التباحث حول هذه الأفكار المستثارة في مثل هذه الفعاليات لتأخذ شكلاً أكبر ورؤيا أكثر تطوراً لمفهوم التضامن الإسلامي الذي يفتح آفاقاً جديدة للعمل الإسلامي المشترك، ورفع مستوى الإسهام الفكري الذي يؤهل للتعامل مع تحديات القرن الحادي والعشرين.
وهذه الدراسات والأفكار لن تكون حبيسة المركز، بل هي نتاج تلاقح وحوارات بناءة خاصة بعد الانتباه لأهمية الحوار في ظل دعوات الصراع بين الحضارات التي اختطها صمويل هنتنغتون في كتابه «صراع الحضارات» والتي أصبحت منهجاً كلما استشعر الغرب بدنو خطر ما توجه للعالم الإسلامي وللإسلام باعتباره الخصم المتبقي، بعد نهاية الحرب الباردة وتحطم الأسطورة الشيوعية وتحول العالم إلى قطبية واحدة. لم يضع العالم الإسلامي نفسه في هذه المواجهة مباشرة ولكن المتغيرات في الحضارة الغربية هي التي كشفت من على وجهه الكثير. كما غذّت هذه التغيرات أفكاراً تنم عن مشاعر سلبية في العالم الإسلامي تجاه الغرب نتيجة لكثير من المشاكل والنزاعات التي جرّها الغرب إلى أرضه دفاعاً عن مصالحه الاقتصادية، وبحثاً عن موارد الطاقة والممرات الاستراتيجية المتمثلة في القنوات الرئيسة التي تربط أعرق ثلاث قارات في العالم.
رحل صمويل هنتنغتون أواخر 2008 تاركاً صراع الحضارات على أشده، بعد أن شغل البشرية بنبوءته التي باتت المفسّر للصراعات العنيفة بسبب الخلافات الثقافية والدينية بين الحضارات الكبرى. أبرز من وقف أمام طوفان هذه النظرية هو بروفيسور «محمود ممداني» الأستاذ في قسم الأنثروبولوجيا والشؤون الدولية ومدير معهد الدراسات الأفريقية بجامعة كولمبيا الأمريكية بكتابه: (المسلمون الأخيار والمسلمون الأشرار: أميركا والحرب الباردة وجذور الإرهاب) «Good Muslim, Bad Muslim :America, The Cold War, And The Roots Of Terror». عارض البروفيسور «ممداني» فكرة «صدام الحضارت»، ووقف ضد صاحب الفكرة «هنتنغتون» الذي ترك الفانية وهي في أوج صراعاتها، كما وقف ضد فرضياته التي ربما تحولت إلى حتميات، ومنها: «الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل – المجتمعات الإسلامية لا تحدد هويتها إلا بالإسلام الأصولي ورفض العلمانية الغربية هو أكبر الحقائق الاجتماعية في بلاد المسلمين طوال القرن العشرين».
مثل هذه الأفكار الجالبة للعنف ليس لديها من ترياق سوى الحوار والدراسات التي تتمكن من معالجة هذا النوع من القضايا وتفهم جذور المشكلة، بالتعاون في وضع الحلول من خلال تفعيل حوار الثقافات والحضارات. ففي البحوث والدراسات لن يكون هناك مجال لثنائيات أو تضاد ثقافي، فهناك دفع باتجاه حوار حضارات لا يقف عند حدود التعايش والفهم المتبادل، بل يتعداه إلى التعاون والتكامل. وهذا ما نأمل من المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية القيام به على أكمل وجه.

[email protected]