«الوصل خير مِن القطيعة».. مفهوم تُجمع على حيويته العلوم السياسية والاجتماعية، ولا تختلف على مدى تأثيره في مجال العلاقات الإنسانية كدواء لعلة الخصام. لهذا المفهوم الخيّر، وله كما أفهم أثر لا يغيب في دفاتر الأدب، والرومانسي في المقدمة، وله عين وأثر في الحكايات الشعبية، لكنه ينهز جذعه، وفي الغالب يتلاشى أمام مفهوم آخر هو «التدخل في شؤون الآخرين»، المفهوم الذي تتغنى به الشعوب أحيانا، وتتمايل طربا على همز وغمز ألحانه، وتعزف السياسة من جهة أخرى على أوتاره نغمات وتقاسيم يُرقَصْ لها ويُرقص عليها. وهو دون شك لا يماثل من حيث القبول والتبرير «الحرب خدعة».. تلك الجملة التي لا يقام لإعرابها اللغوي وزنا في عالم السياسة مقابل وزنها الثقيل لإجازة المباغتة أو توظيف المراوغة. الجملة المعروفة في تكتيكات الهجوم المفاجئ بما لها من حق في تبرير نثر الدم وتكويم الأنقاض، وهنا قذارة السياسة وفنها في آن، وعلى مستوى التراجع لها قيمة ومقام ينجي الموقف من وصمة الانهزام. عموما هذا الهجوم الانفعالي في الأخير لا يلغي عن ميادين السياسة عمل العكس، ولا يسحب منها حق إنسانية جملتها المسالمة -عمل ما يمكن فعله لحقن الدماء. لا أدري كيف وقَعت في فخ كتابة هذا المقال وأنا على الدوام أقول لنفسي «ابعد عن فتنة تضاريس جسم السياسة وعن الإجابات على أسئلة صديقك المتلون تسلم».
في وجه العموم السياسة لها لغتها وأدواتها، ومن المتوافق عليه في عالمها أن التدخل في شؤون الآخرين الداخلية لا معقول ولا مقبول، وهذا ما أردت الوصول إليه من خلال المقدمة التي أحسبها مغرية للاتجاه في أكثر من طريق مفتوح على احتمالات يصعب معها ضبط البوصلة على الهدف دون اهتزاز عقاربها.
في خلاصة القول، أن التدخل في شؤون الآخرين على أي مستوى مثل وضع القدم على ذيل الأفعى، وذيل الأفعى على الأرضية الرسمية لا لون له، فيا هل ترى ما هو المصير على المستوى الشعبي؟ في البداية لا بد من الاعتراف بأن المسألة معيبة ولا تتفق مع التعاليم الدينية والأخلاقيات الإنسانية، فضلا عن كونها مصدرا للضغينة.
اليوم، يسهل نقل المعلومة وتبادلها أكثر مما مضى عطفا على رحابة صدر وسائل الإعلام المفتوح المباح للجميع في أي مكان وأي زمان، ومن شأن هذه الوسائل أن تعجل بالأخبار بصرف النظر عن موثوقيتها وتنشرها دون اعتبار لتداعياتها. واللافت للنظر أن الأمور تضخم والأحاديث تجر في ذيلها مبالغات مرسومة بعناية للمساس بشؤون وخصوصيات دول أو مجتمعات بعينها.
والسؤل: هل الدول العربية تدرك خطورة هذه المسألة؟ وهل الشعوب جاهزة لفحص نفسها في هذا المسار ومعايرة نتائج الفحص على الواقع؟ من الطبيعي أن يكون لكل شخص رؤيته في تكوين الإجابة عن هذا السؤال عطفا على مقدار بصيرته ورصده للأحداث وما وراءها.
غير أنه يظل من المهم أن يلتفت الشعب العربي إلى أهمية طيب العلاقات وحسنها بين مكوناته. ومثل هذه الالتفاتة المهمة لا يمكن لها أن تأخذ مكانها الطبيعي دون تحرك الفئات المثقفة وبالذات المؤثرة في الرأي العام وقيامها بدورها المفترض لدفع وعي الناس وتبصيرهم بسلبيات تدخل البعض على المستوى الشعبي تحديدا في الشؤون الداخلية للغير -الرسمية وغير الرسمية- واستعمال وسائل الإعلام الجديد موانئ لتصدير التحليلات المسمومة التي أضحى من اللافت والمريب حولها أنها تُضخم الأمور من خط البدء وتؤطر الأحاديث بالمبالغات، وتلوي وجهها في كل الاتجاهات لأغراض شخصية ضيقة كما يبدو لتكون ردود الأفعال هي الأخرى على ذات المستوى، بذريعة أن البادئ أظلم. وفي الختام يقول الواقع: إن جل أحاديث المساء العربي باتت همازة لمازة.

[email protected]