لدى الإنسان نزعة للهرب دائماً. ولكن من ماذا ولمن يهرب؟ إنه يهرب من محيطه الذي فرض عليه في المدينة، تلك المدينة التي هجرتها النجوم. فطريقة عمله، وتنقله، وطريقة تناوله للطعام، وتواصله مع الآخرين قد فُرضت عليه من قبل الحياة المدنية الحديثة. فهو يعمل يومياً على الأقل ثماني ساعات،
ويتناول وجباته بشكل سريع من مطاعم سريعة، ويتنقل بالسيارة أو الباص وفي أحسن الأحوال بالقطار، ويتواصل بشكل محدود مع الناس، وأحيانًا لا يتواصل أبداً، فالملايين من البشر الذين يعيشون معه في نفس المدينة التي تستهلكهم عملاً وتطالبهم بسرعة الإنتاج لا تعطيهم فرصةً في التواصل أو التأمل. فمن أين لهذا الإنسان أن يتأمل مشاهدة شروق الشمس وغروبها، وهو يعمل في غرف مغلقة؟ ومن أين لهذا الإنسان، أن يشاهد أشجاراً وأزهاراً مع كل يوم يتنقل فيه والعمائر الاسمنتية تحيط به؟ ومن أين له أن يأكل طعاماً نظيفاً، وهو لا يملك الوقت ليطبخ طعامه بنفسه، ويتذوق مما عملته يداه. إن السماء بنجومها الجميلة قد اختفت بسبب من أضواء المدينة، وإن الجبال المحيطة به قد أزيلت بمباني زجاجية، وإن الزرع والورد قد استبدلت بشوارع مسفلتة، لتقول لهذا الإنسان: خذ، ها نحن نسهلُ لك حياتك. وفي وعي الإنسان أن حياته قد أصبحت أسهل وأجمل، ولكنه دائمًا ما يشعر بهذا الضيق داخله ولا يعرف سببه. بينما لدينا في عصرنا الحاضر والماضي، رجال عرفوا الخلل في الطريقة التي نعيشها في المدن، فهذا الأمريكي المشهور كريستوف مكاندلس، هرب من حياة المدينة التي كانت نفسه تختنق منها ومن المنافقين بداخلها، حيث كان يشعر بزيف الناس ونفاقهم معللاً أن الحياة الحديثة تصنع لنا أناساً يظهرون لنا بهذا المنظر، حيث توجه إلى الغابة بعد أن كان متفوقاً في مرحلة الجامعة وكان والده غنياً، ليعيش باقي حياته هناك وحيداً بين الأشجار والأنهار في ألاسكا متبرعاً بجميع أمواله. وبعيداً عن تطرف مكاندلس حيث وجد بعد أربعة أشهر ميتًا بداخل الباص القديم الذي كان يعيش فيه، إلا أن نفسه استطاعت أن تشعر بالخلل، فهربت إلى ذلك المكان الذي يستطيع من خلاله أن يشاهد النجوم ليلاً. ويمكننا أن نتساءل، هل ابتعاد الناس عن النجوم يؤثر على تدينهم؟ يذكر بيجوفيتش أنه كلما اتسعت المدينة قل التدين وكثرت الجريمة. أما توماس ميرتون في كتابه «الإنسان ليس بجزيرة» فيذكر أن الحياة الحديثة لا تجعل المرء يعرف نفسه حق المعرفة، لأن كل ما يحيط بالإنسان من محلات ودكاكين وإضاءات وإعلانات تلهيه بصناعة دعايات تبعده عن التفكر في نفسه والتقرب منها، تبعده عن الروحانية التي من المفترض أن يشعر بها كإنسان. إن الحياة الحديثة بآلاتها أبعدته عن الله، وألقت به إلى تلك الحياة الصماء المتوترة. ولن يقتصر الأمر على التدين، فحياتنا هذه البعيدة كل البعد عن النجوم هل يمكنها أن تصنع لنا شعراء؟ لقد رفض ليبولد فايس (محمد أسد) أن تنقله السيارة عندما عرض عليه الملك عبدالعزيز ذلك لتنقله من الحجاز إلى أحد مناطق المملكة، وفضل أن يركب الجمل ويسير في الصحراء مع صاحبه ليستشعر وجود الله فيها أكثر من أي مكان آخر كما ذكر في كتابه «الطريق إلى مكة»، حيث كان يمدح صاحبه الأمّي زيداً بأنه كان شاعراً، وأن ما يميز رجال الصحراء أنهم شعراء بالفطرة بسبب تأثير من هذه الرمال على أرواحهم. وإني أتساءل، كيف لطفل، لم يلمس وردة، أو يشاهد ماء يجري، أو يشعر بريح جافة، أو يشتم رائحة الزرع، أو أن يغرس رجليه في الرمل الناعم ويرصد حركة الحيوانات حول الطبيعة أن يكون شاعراً؟ من أين ستأتي الشاعرية لهذا الطفل، القابع أمام جهاز التلفاز ممسكاً بيد الآلة، ليحرك شخصيات متوحشة جامعاً بها أسلحةً ليضرب ويقتل، مستمتعاً بذلك أشد الاستمتاع. والمحزن في الأمر، أنه لا عودة هنا. فمن سيعترض على طريقة الحياة؟ ومن يملك أن يقول لا في وجه كل هذه الأنظمة وطريقة الحياة المعولمة؟ ولا يحزنني أكثر ذلك، إلا من يسكن في مدينةٍ صحراوية، خالية من كل مظاهر الحياة البريئة، فالصحراء متطرفة، إما أن تأخذها كما هي وتعيش حياة بدائية، أو ستمنعك من تذوق طعم النجوم من حولك إن بنيتها.
مدون سعودي

