كلما سطرت كلمة عن مكة، وتغنى شاعر بقصيدة، انسكبت دموع البعيدين عنها شوقا وأملا في الوصول إليها، ودمعت أعين أبنائها تأثرا لغيابهم عن ترابها، وتبسم أبناؤها الباقون على ثراها الطاهر فرحا بمكانتها في قلوب المشتاقين لرؤياها.
لكن كلمات الناثر وأبيات الشاعر، وإن أثارت الأشجان وحركت العواطف لدى البعض، فإن المدعين بحبها من أبنائها، حتى وإن لم يهجروها، لكنهم غابوا عن دعم ومساندة مؤسساتها الخدمية، فلا دعم ماديا أو معنويا لها، أما أنديتها الرياضية فهجرهم لها واضح، وتسابقهم لدعم غيرها بارز، ووسائل إعلامها تشكو هجرانهم، أما تجارتهم الناضجة ومراكزهم التجارية الراقية ففضلوا تواجدها خارج ترابك يا مكة، إلا القلة القليلة منهم.
ورغم تواجد فنادق عالية الخدمة، جميلة المنظر وصالات مناسبات راقية الجمال، جذابة الأنظار، إلا أننا ما زلنا نرى أبناءك يهجرونها، فلا يقيمون مناسباتهم بها، ولا نعرف ما هي الأسباب يا مكة؟ فكيف نراهم يصدحون بحبك ويدعون سكناك بقلوبهم؟
والمؤلم للفؤاد قبل الجسد يا مكة أن الهيئة التنسيقية لمؤسسات أرباب الطوائف التي تضم “المطوفين، الوكلاء، الأدلاء، الزمازمة”، والتي تتخذ من مكة المكرمة مقرا رئيسيا لها، نراها في كل عام تبتعد عن ثراك، وتقيم حفلها السنوي خارج ترابك، فرغم أن الحجاج يأتون إليك من كل حدب وصوب، وعلى ثراك تؤدى فريضة الحج، لكننا نرى يا مكة أنك مهجورة من كل جميل، حتى الابتسامة لا يرغبون أن تكون في ثراك، فلماذا يهجرك أبناؤك قبل غيرهم؟ ألم يسمعوا قول شاعرك الراحل محمد حسن فقي ـ يرحمه الله:
مكّتي لا جلالٌ على الأرضِ يداني جلالَها أو يفوقُ
ما تبالينَ بالرشاقةِ والسحرِ فمعناكِ ساحرٌ ورشيقُ
سجدت عندهُ المعاني فما ثمَّ جليلٌ سواهُ أو مرموقُ
ومشى الخلدُ في رحابِكِ مختالاً يمدُّ الجديدُ منهُ العتيقُ
أنتِ عندي معشوقةٌ ليسَ يخزي العشقُ منها ولا يُضِلُّ الطريقُ
ما أُباهي بالحسنِ فيكِ على كثرة ما فيكِ من مغانٍ تشوقُ
أنتِ قدسٌ فليسَ للهيكلِ الفاني بقاءٌ كمثلِهِ وسموقُ
كلّ حسنٍ يبلى وحسنكِ يا مكّةُ رغمَ البلى الفتيُّ العريقُ
دَرَجَ المصطفى عليكِ فأغلاكِ وأعلاكِ بعدهُ الصّدّيقُ
وَشكوكٌ من الرّجالِ سبوقُ جدٍّ من خلفِهِ فجلّى سبوقُ
إن أرادوا القتالَ أرجفتِ الأرضُ وضاقت على العدوِّ الطريقُ
أو أرادوا السّلامَ رحّبَ بالسّلمِ عدوٌّ أصابهُ التمزيقُ
ليسَ بغياً قتالُهُم إنه الرشدُ ينيرُ السبيلَ والتوفيقُ
كانَ في اللهِ حربهم والعداواتُ وفي اللهِ سلمهم والوثوقُ
نَجِدُ الأنسَ في رحابِكِ والبسطةَ حتّى كأنّنا ما نضيقُ
ويشدّ القلوبَ نحوكِ يا مكّةُ حبٌّ يطوي القلوبَ وثيقُ
ما نطيقُ الفراقَ عنكِ وهل يحملُ قلبٌ في الحبِّ ما لا يطيقُ
يا نفوساً تطوفُ بالبيتِ لو لا حرمة البيتِ ميّزتها الفروقُ
لماذا هجروك يا مكة؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
