أنا مَن يتحمّل تبعاتِ صياغة العنوان أعلاه إذ رجوتُ إدارةَ الصحيفةِ - بعد التي واللتيّا - الإبقاءَ عليه ذلك أنّ مِثل هذه الصياغة وإن تكن خادشةً – باديَ الرأي - غير أنّها الصياغة التي من شأنِها أن تَحكي حقيقةَ ما أردتُ بسطَهُ على هذا النحو المُجمل:

- مِن قبل أن تمضي بعيداً في النيل من كاتب المقال ها هُنا فإنّه يسَعُك أن توفّر جامَ غضبتَك وعظيم سُخطِك وفجورَ سِبابك إلى حين أن تعرفَ على الحقيقة مَن هو الذي قد تولّى كِبر صياغةِ هذا «العنوان» على هذا النحوِ الصّادمِ وجعلَ منه بالتالي- وعلى خلاف ما كنتَ تظن- لقباً/أو وصفاً لا يُبتذل عادةً فيُنعتُ به أيّما أحد! وإنما يُؤتى به في سياقٍ من المدح «الباذخ» الذي ما فتئ كُثُرٌ يستشرفونه!
- وإذن فإنّه ما من أحدٍ يستحقّ لوماً- وعتباً - غير ثقافتك (الصحراوية /البدوية) حيثُ خطابُها الشّعريُّ الملتاث ببلاغةٍ تشبيهيّةٍ سوّغت وصم: «الإنسان» بما هو عليه الحيوان خِلْقةً وطِباعاً وغريزةً ما جعلَ الرجل ينتشي حين الوصف له وفاءً وقوّةً بقولِ جدّك الشاعر لجدّك الخليفة: (أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قِراع الخطوب)! وتركيز الشاعر ابن الجهم على وجه الشّبه وإغفاله للذائقة لا يَغفرُ له بأيّ حالٍ ما كان عليه من خشونةٍ في قاموسٍ تنضحُ مفرداته بحيْونة ممادح الإنسان وجمالياته..! وحسبه أن جعل من الخليفة وهو مَن مُقاماً: «كلباً»! (وحتى لمّا أن اشتمّ نسيم بغداد ورأى الخضرة والوجه الحسن لم يبرح ذلك القاموس فقال: «عيون المها بين...» فحيونة التشبيه لم تكن لتغادر قاموسه الشعري بالمرّة)!
- وأيّ امرأةٍ من عهدِ جدّتك «الجاهليّة» وإلى يومِ حبيبتك: «الليبرالية» تلك التي لا تتراقص طرباً - بقدّها الميّاس- حين تَحظى تشبيهاً لها بـ:»البقرة والظبي والغزال والنعجة»!؟ وفي زمنٍ لا جمال فيه يعلو على صوتِ المشارطِ وقعقعةِ السيلكون فإنّ للحيوانات نصيباً وافراً من جاهزةِ التشبيه ذلك أن البراطم المنتفخة والأثداء المترجرجة امتلاءً تظلّ خاصيّةً تمتاز بها بهيمة الأنعام.!
- سيأتي من يقول: لقد ضيّقت واسعاً إذ الأمر لا يعدو أن يكون غرضاً بلاغيّاً شكّلته ثقافة بيئةٍ ثّم لا يلبث أن يتحاذق فيورد بيتي أبي تمّام:
لا تنكروا ضربي له منْ دونه مثلاً شرودا في العلا والباسِ
فالله قد ضربَ الأقلَّ لنورهِ مثلاً من المشكاة والنبراسِ
ظنّاً منه أنّه قد ألقمني الحجّة البالغة.!
وهذا لا يستقيمُ بالمطلقِ مع ما ابتغيتُه من هذه الكتابة لِمن قرأ جيداً السطور وما بينها إذ تشي بمجملها إلى أنّ شعرنا ليس مقدّساً فضلاً عن كونهِ ذا بُعدٍ جاهليٍّ يتمطّى في أحشائه نسق معرفيّ قد أغنانا الله تعالى عنه بمنهجيّة قرآنيّة بإمكانكَ أن تقرأ شيئاً من مظاهرها في قوله تعالى: «إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا» و: «كمثل الكلب إن تحمل عليه..» و: «كمثل الحمار يحمل أسفارا» بمعنى أن التكريم للإنسان من لدن الله تعالى نأى به عن تشبيهه في الحيوان إلا في مواطنِ الذّم.!