وددت أن تكون إطلالتي الأولى على صحيفةِ مكة الحُلم من منظورٍ إنساني، ومن خلال طرق دربٍ سياسي تاريخي ولدنا وترعرعنا على اِعْوِجَاجِه، فكان له عظيم الأثر في تشكيلِ نفسياتنا كعربٍ ومسلمين، ولا ندري مهما زاد تلهُفنا هل سنبلغ نهايته خلال أعمارنا القصيرة؟
سبع وستون سنة من المرار والحسرات مرت على البداية الفعلية للمَأساة الفلسطينية، ولا شك أن الأحداث المُزرِيّة خلالها كانت أوضح من عين الشمس، وأن الخيبة والتردي واليأس والبؤس كانت حصيلة سنوات القهر، وحسرات الارتحال والغربة، وخيبة الأمل بوجود لمعة ضوءٍ في آخر مسارات هذا النفق السحيق الظلمة.
البدايات كانت بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين 1947، ودعم الغرب لليهود في مشروعهم، وبدء النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لتبادر هيئة الأمم المتحدة بأول محاولة نظرية للحل بقرار تقسيم الأرض إلى ثلاثة كيانات منفصلة.
1- دولة عربية: تضم، عكا، والضفة الغربية، والساحل الجنوبي من شمال مدينة أسدود وجنوباً حتى رفح، وجزءا من الشريط الحدودي مع مصر.
2- دولة يهودية: من حيفا وحتى جنوب تل أبيب، وبحيرة طبريا وإصبع الجليل، والنقب وأم الرشراش «إيلات» حالياً.
3- القدس وبيت لحم وما جاورهما لتكون تحت وصاية دولية.
فيحتدم النزاع، ويستحيل إلى حرب أهلية طاحنة.
عندها تتقاطر المحاولات العربية كردود فعل، فيتشكل «الجيش العربي لتحرير فلسطين»، وتتوالى النكبة والتهجير، والهدنة، والعدوان الثلاثي، ونشوء مخيمات اللاجئين، نضال وفدائيين، منظمة فتح، ادفع ريالاً تنقذ عربياً، بكائيات وأشعار وأجراس للعودة تقرع، فكأنها ترن بلا صدى. استدرار لمشاعر الأمم، والهيئات الإنسانية، يقابله صلف ورسوخ يهودي غربي، وقسوة وتعام عن الحقيقة.
حرب الأيام الستة «النكسة»، حرب الكرامة، اجتياح غزة وسيناء، احتلال الضفة الغربية، سقوط الجولان، ضم القدس، تعاظم النزوح، هجرة اليهود العرب عكسياً إلى فلسطين.
حرب أكتوبر، معاهدة «كامب ديفيد»، انتفاضات الشوارع، جلوس إلى الطاولة، مؤتمرات مدريد، اتفاقات أوسلو، واعتراف لا يكون، أطفال الحجارة، اغتيالات، حصار، عزل بالجدار، خارطة الطريق، انقسام السلطة، حماس، كتائب، صواريخ، خنادق، وجيش إسرائيلي يعربد، قمع بالرصاص، والمطاط، والغازات، واعتقالات تطول حتى النساء والأطفال، ومستعمرات تنبت في الظلمة كالأعشاب الشيطانية.
أعين العالم تشهد، والدعم العربي بالمال يستمر، والوضع يزداد تردياً، والشعب الفلسطيني يعاني ويناضل، ويتجاوز حدود الألم والموت، والفرقة والتهجير.
أصبحت مناظر رسوخ الفلسطينيين البسطاء المتشبثين بأرضهم رمزاً، والشمس تلفح وجوههم السمراء، التي أغرقها الذل وارتسم عليها الصبر الأيوبي.
الضغط النفسي، وحظر التجول والقهر والبطالة تتعاظم فيتسرب الشباب من مسام الأرض المباركة، وتُيسر لهم المعابر فيهيمون في الأرض فرادى، ويدفنون أحزانهم في أعمالهم، ويتداوون بطموحهم وتفوقهم الشخصي، ويتناسون عدالة قضيتهم وأغصان زيتونهم، وشوارعهم العتيقة، لا لعقوقٍ وقسوة، ولكن لاستحالة دروب العودة يوماً بعد يوم.
من تبقى على هذه الأرض هم من غُرِسَت سيقانهم في عميق الثرى، أو من عجزوا عن الرحيل، إما لنقص ذات اليد، أو لعدم وجود شهادة وحرفة.
ظلم وظلام، وتتصاعد الآلام، منازلهم تتهدم فلا يتمكنون من إعادة ترميمها، حقولهم ومراعيهم يبتلعها سرطان المستعمرات السكنية اليهودية.
ويزداد عجزهم بتكاثر صغارهم، ممن يشبون على منعرج عظيم الحدة والانكسار، فإما أن يرضخوا للواقع بالعمل بأجر بَخْس في إسرائيل، أو أن ينتفضوا ويكونوا نزلاء المعتقلات، أو أن يجهدوا للحصول على بطاقة عبور، للعالم الخارجي ويَئِدُونَ الحلم.
معظم قياداتهم لم تكن مخلصة للقضية ولا للأرض، حتى وإن ادعت النضال، وأعفت اللحى، ولبست الكوفية، وأطلقت صاروخاً، فتحار بعد زوال السلطة عنهم كيف ومتى ومن أين تحصلوا على تلك الثروات الطائلة؟
قيادات متنافرة، حورت صُلب القضية، إلى نزاعات سلطوية مذهبية وحُرمةٍ وحلال، وتناست الإنسان الفلسطيني المُسْتَضَامٌ، ونفخت في الثرى ليتناثر مع الريح.
لم نعُد في عهد صلاح الدين فنستصرخه، ولم يعد حلم «حصان طروادة» ليعبر بنا أسوار الخوف. عصرُنا بحاجة لعقول ونظام وقانون وقيادة مخلصة، تجمع كلمة المهاجر واللاجئ والمقيم، وتتناسى الأنا والمكاسب الذاتية، وتبحث عن الحل، الذي أعجز العالم بغواية وتشتت المطالبين به.
حل لا يكون متفردا بجهة معينة، بل يتكامل بتلاحم جميع القلوب والأيدي الفلسطينية وتفانيهم، وإخلاصهم، لوضع منهاج جديد للمقاومة بلغة العصر الحديث، لغة التقنية والإعلام وحقوق الإنسان، وبمجلس موحد يضم الوطن المحتل، وذلك لإقناع العالم بأن المأساة الفلسطينية قد فاقت حدود المنطق والإنسانية، وأنه قد آن لها أن تُحل بتقارب وتكاتف، وجهد وإخلاص الفلسطينيين عموماً، حتى وإن كانوا فرادى منتثرين في شتى أصقاع المعمورة.

