لا شك أن من أعظم القضايا التي شغل بها الناس عبر الدهور، ودارت بسببها فتن وحروب، وتقاطع من أجلها الأقارب والأحباب، ولا زالت وستبقى من أخطر معتركات الحياة الدنيا، قضية المال بحثا عنه وجمعا له وتدبيرا له وإنفاقا، ولم يضبط نظام على وجه الدنيا العلاقة الإنسانية بالمال كما ضبطها الإسلام، فكان فيها وسطا بين المذاهب والاتجاهات، فوازن مثلا بين الفطرة والحاجة من جهة، وبين القيم والأخلاق والرسالة من جهة أخرى، كما وازن فيها بين حاجات الفرد من ناحية، وبين متطلبات الجماعة من ناحية أخرى، والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مملوءان بقواعد ذلك وضوابطه، وفي تفصيلات الشريعة وأحكامها تأتي أبواب الزكاة والصدقات وأحكام المعاملات المالية كلها والغنائم وغيرها لتحدد بوضوح هذه العلاقة على أسس ظاهرة من العدالة والأخلاق الفاضلة.
وليس المقصود هنا تفصيل ذلك وبيانه، ولكن المراد تحديدا أن نذكر البعض بمحدودية وجزئية معيار المال في حقيقة الأمر أمام المعايير والموازين الأخلاقية والعلمية التي لا بد من ملاحظتها عند تقويم الناس، والتي لم تعد كثير من شرائح المجتمع مع شديد الأسف تلقي لها بالا أمام قضية المال، حتى أصبحت القدرة المالية هي أعظم مؤهلات التكريم والتقديم لديهم، وهو المعنى الذي سينتج بالمحصلة عند شيوعه وامتداده مجتمعا فارغا لاهثا خلف المادة، فتزداد عيوبه وأمراضه وطبقيته يوما بعد يوم ... وما أجمل ما نقله ابن عساكر في تأريخه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أوصى كميل بن زياد فقال (يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها للعلم، احفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، ولم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، يا كميل بن زياد، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المال ينقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق، يا كميل بن زياد محبة العالم دين يدان تكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، ومنفعة المال تزول بزواله، والعالم حاكم والمال محكوم عليه، يا كميل مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة).