تعثر المشاريع، أصبح لغة سائدة، وظاهرة معروفة، في المملكة، ومنذ أيام قليلة وجهت لجنة المقاولين بمجلس الغرف التجارية السعودية اتهاما لوزارة المالية بأنها السبب في تعثر المشاريع، فردت الوزارة متبرئة من الاتهام ومعيدة الكرة إلى مرمى لجنة المقاولين، فمن يا ترى سبب التعثر للعديد من المشاريع؟ هل هو ضعف المقاولين؟ هل هو تعقيدات بعض الأنظمة؟ هل هناك فساد يفضي إلى هذا التعثر والتعطيل؟ هل وهل وهل؟

كل الاحتمالات واردة، وربما أن الجهات المختصة وضعت يدها على سبب جوهري يفضي إلى ذلك، لكنها لم تعلنه، أو أنها بصدد معالجته أولا قبل أن تعلنه، بحيث تضع بذلك حدا نهائيا يحول دون التعثر مستقبلا، أقول ربما لأن ليس أمامنا سوى التخمين والتمني!

في فترة قريبة ماضية، وفي غمرة حماس كانت جيدة، لا حظ الجميع كيف تم وضع لوحات توقيت الكترونية على المشاريع، تحمل مدة تنفيذ المشروع بالأيام، وتحصي يوميا عدد الأيام المتبقية لانتهاء المشروع، وشيئا فشيئا تعطلت تلك الساعات الالكترونية، وبقيت مثار تساؤل وتندر، حتى تمت إزالتها، مثلما تنتهي أي موضة وينساها الناس، لكن المشكلة هنا أن موضة الساعات المندثرة لم تنسِ الناس المشروعات التي يرونها أمامهم لا تتقدم ولا تتوقف، وكأنها تسير خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف، أو مكانك سر!

لا بد هنا أن أقول واثقا إن الدولة والقيادة وهي تضخ المليارات تلو المليارات، تسعى بحرص واضح إلى خدمة الوطن والمواطن والمقيم، ولذلك لا تدخر وسعا في الدعم والإنفاق، لكن المشكلة تكمن في تفاصيل التنفيذ، حيث تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

التنفيذيون من جانبهم، وكما ذكرت أعلاه، يبحثون ويتلمسون أسباب تعثر بعض المشروعات، لكنهم وهم غارقون في معمعة العمل وداخل المشكلات المتراكمة، لا يجدون وقتا يسمح لهم بالتفكير، وابتكار حلول جديدة من خارج صندوق التفكير السائد، والحلول التقليدية المتداولة.

تصوروا -مثلا- وتذكروا، قبل نحو أربعة عقود حين كان في المملكة عشرات شركات الكهرباء، وما كان قائما آنذاك من مشكلات في كل شركة على حدة، وما تسببه من معاناة هائلة للمستهلكين، أقول تصوروا لو أن الدولة آنذاك ممثلة في وزارة الصناعة والكهرباء، ووزيرها الفذ غازي القصيبي (رحمه الله) انصرفت إلى معالجة مشكلات كل شركة على حدة، فماذا ستكون النتيجة؟ إنني أتصور لو حدث شيء كهذا لكنا إلى يومنا هذا نرقّع بينما الخرق يتسع. لكن الذي حدث أن الوزارة تجاوزت بجدارة وجسارة، اعتراضات أصحاب تلك الشركات الهزيلة، وقفزت إلى إنشاء الشركة الموحدة للكهرباء، وأصبح ملاك تلك الشركات الصغيرة من كبار المساهمين في الشركة الجديدة التي كبرت، وأصبحت كما نراها اليوم.

إنه التفكير خارج الصندوق، فماذا لو تم تطبيق الفكرة ذاتها على قطاع المقاولات، بحيث تقوم وزارة المالية ووزارة التخطيط، بإنشاء شركة وطنية كبرى مساهمة، مهمتها تنفيذ مشاريع الدولة، بحيث يسمح لكل من يرغب من شركات المقاولات القائمة بالمساهمة في التأسيس، ويطرح باقي رأس المال المقترح للمواطنين كأي شركة مساهمة؟

الدولة تصرف سنويا مئات المليارات على مشروعات تنموية، بعضها يتعثر، وبعضها يتوقف، وبعضها يظل يعاني من سوء التنفيذ، فماذا نتصور لو تم تحويل كل تلك المليارات إلى شركة واحدة عملاقة، تتكون من أقسام متخصصة مؤهلة تأهيلا عالميا، قسم لبناء الطرق، وآخر للمباني المدرسية، وثالث للمستشفيات والمراكز الصحية ورابع وخامس... وهكذا، ألا يمكن بهذا أن نقضي على التعثر وسوء التنفيذ وفساد الإجراءات، وبالتالي يكسب الجميع؟ تكسب الدولة تنفيذ مشروعاتها بمستويات ممتازة، وربما أقل تكلفة مما يجري الآن، ويكسب المواطنون -مساهمو الشركة- أرباحا طائلة سنويا.

المختصون في وزارتي المالية والتخطيط، يعرفون كم حجم الإهدار السنوي وقتا ومالا في هذا المجال، وهم -لا شك- الأقدر على تقييم فكرة الشركة الوطنية للمقاولات، وما يمكن أن يجنيه الوطن من ورائها من مكاسب.

وقبل أن أختم أود أن أقول إنني لست مختصا، ولا صاحب خبرة، ومتأكد أن في بلادنا من هو أقدر مني على إنضاج الفكرة وتقديم أفضل منها، ولعلني بهذا أفتح باب النقاش حول هذا الأمر، مؤملا أن نصل إلى حل جذري لمشكلة تعثر المشروعات وسوء تنفيذ بعضها، فكلنا مواطنون، وتهمنا شؤون وشجون الوطن.