أكد خبراء نفطيون أن السعودية معرضة لاستهلاك ما تنتجه من الطاقة محليا خلال عقدين من الزمن، مشيرين إلى أن دعم الطاقة في السعودية كان سببا رئيسا في ارتفاع الاستهلاك الذي نما بـ5 % في 2013 عن 2012.
وأضافوا أن أي سلعة مدعومة تحث على الإسراف والتفريط وعدم البحث عن وسائل وبدائل أخرى، مطالبين باتخاذ سياسات عاجلة للحد من الاستهلاك المفرط للطاقة إذا استمر استهلاك الطاقة بهذه الوتيرة المتسارعة.
رئيس مركز السياسات البترولية والتوقعات الاستراتيجية الدكتور راشد أبانمي قال إن حجم النمو في استهلاك الطاقة في السعودية بلغ 5% عن العام الماضي وهو يعد من أعلى معدلات الاستهلاك في العالم، مضيفا أن استمرار استهلاك الطاقة بهذه الوتيرة المتسارعة يتطلب اتخاذ سياسات عاجلة للحد من الاستهلاك المفرط للطاقة بالنظر إلى مصادر الطاقة البديلة وترشيد الاستهلاك.
بدائل
وأوضح أن ترشيد الاستهلاك يتطلب وضع البدائل فترشيد استهلاك الوقود يتطلب توفير وسائل النقل العامة وترشيد الكهرباء يتطلب إلزام المباني باستخدام مواد تقلل من استخدام الطاقة وهذه مشاريع ضخمة يجب الانتهاء منها قبل البدء في حملة الترشيد، كما يجب وضع خطة استراتيجية للحد من استهلاك الطاقة على المدى البعيد.
وأشار إلى أن التقارير العالمية الصادرة أخيرا حذرت من الاستهلاك المرتفع في السعودية الأمر الذي يتطلب الاعتراف بأن هناك مشكلة للبدء في اتخاذ إجراءات مناسبة للحد منها، مبينا أنه لا بد من إشراك المجتمع في الحلول لتكون الإيجابية أكبر.
وشدد على أنه يجب أن يكون هناك توعية للمجتمع من خلال إيضاح المشكلة لهم بشفافية تامة، موضحا أن المجتمع لا بد له من أن يعي أن هناك تفريطا في ثروة الأجيال المستقبلية ليتم وضع الحلول التي قد تكون مكلفة في الوقت الحالي ولكن ثمارها الإيجابية ستكون على المدى البعيد.
الإسراف
وأكد أن دعم الطاقة كان سببا رئيسا في الاستهلاك المتزايد حيث إن أي سلعة مدعومة تحث على الإسراف والتفريط وعدم البحث عن وسائل وبدائل أخرى مكلفة، موضحا أن شركة الكهرباء تعد الأكثر استهلاكا، فقيمة برميل النفط المدعوم للشركة يصل إلى 5 دولارات، مشيرا إلى أن سبب الاستهلاك يعود إلى الآلات القديمة التي تستهلك نفط بشكل كبير فالشركة أمام خيارين، إما استبدال الآلات بآلات حديثة واستهلاكها قليل وهذه مكلفة جدا وتسبب خسائر آنية أو الاستمرار على الآلات القديمة بحكم أن الوقود رخيص جدا.
وأضاف أن مؤسسة تحلية المياه تعد ثاني مستهلك للطاقة حيث أكدت التقارير الصادرة أخيرا أن الفرد السعودي من أعلى الأفراد في العالم استهلاكا للمياه كما أن دعم الطاقة لشركات الاسمنت وسابك جعلها تسرف في الاستهلاك، مبينا أن سابك تأخذ الغاز بسعر مدعوم حيث يحسب 1000 قدم بـ70سنتا ويباع في السوق الخارجي بـ3.70 دولارات لشركات البتروكيماويات.
وذكر إلى أن هناك هدرا وتسريبا في الطاقة كتهريب النفط ومشتقاته، مضيفا أن المشكلة تبدأ من الدعم الحكومي للأسعار لأنه يساعد على الهدر فالحكومة ترى أن المستهدف من الدعم هو المستهلك، ولكن ثبت اقتصاديا أنه لو فرضنا بأن الدعم 5 دولارات، فإن فائدة الدعم تذهب للبيروقراطية وارتفاع هامش الربح للشركة المدعومة بينما لا يصل المستهدف الأول من هذا الدعم إلا دولار واحد فقط، لذلك يجب دراسة الاستهلاك من جميع الجوانب للحد من المشكلة.
وحذر من أن التقارير العالمية تؤكد أن ارتفاع الاستهلاك سيعرض السعودية خلال 3 عقود القادمة لاستهلاك ما تنتجه من الطاقة محليا إذا لم يتم التعامل مع هذا الأمر بشكل عاجل.
حسب الطلب
وبين أن معدل استهلاك الطاقة محليا يرتفع وينخفض حسب الطلب، لافتا إلى أن موسم الصيف يسجل ارتفاعا في الاستهلاك عن المواسم الأخرى.
ولفت إلى أن حجم الاستهلاك الكلي للطاقة محليا يتجاوز 4 ملايين برميل نفط مكافئ يوميا، مشيرا إلى أنها عبارة عن نفط خام للمصافي ولشركة الكهرباء والتحلية لتوليد الطاقة تتراوح من 1.2 إلى 2 مليون برميل نفط وغاز من 2 إلى 2.5 برميل مكافئ.
وعلى الصعيد ذاته قال الخبير النفطي وعضو هيئة التدريس في جامعة البترول والمعادن الدكتور عبدالله المنصور إن سرعة الاستهلاك لموارد البترول ليست شيئا جديدا على السعودية، مضيفا أن فترة الثمانينات كانت تشهد ارتفاعا في نمو الاستهلاك بأكثر من 15 % سنويا، ولكن الجديد هذه السنين أن حجم الاستهلاك وليس سرعته، ارتفع ارتفاعا كبيرا.
وأضاف أن لكبر حجم الاستهلاك آثارا سلبية كثيرة، حيث إن الاستهلاك على هذه الوتيرة يعجل من استنزاف موارد النفط والغاز لدينا، في وقت لا توجد لدينا قاعدة اقتصادية قادرة على العيش والتنافس في هذا العالم بدون الاعتماد على موارد النفط والغاز ما يعني أنه ليست لنا ميزة تنافسية اقتصادية غير موارد الطاقة فإذا نضبت صعب وضعنا، مبينا أن الاستهلاك المتزايد يقلل عرض البترول في السوق العالمي مما يضغط على الأسعار إلى الصعود، خصوصا أنك تتحدث عن سيد المنتجين الذي يعتمد عليه العالم في استقرار أسعار النفط.
ضعف الدخل
وأوضح أن نمو الاستهلاك الداخلي يضعف من دخل الدولة من العملة الصعبة الآتي من بيع النفط، مشيرا إلى أن وضع الدولة المالي مستقر في الفترة الحالية من ناحية وفرة الاحتياطيات من العملة الصعبة، لكن نحن نتحدث على المدى البعيد.
وبين أنه في ظل الوضع العالمي لسوق النفط، فإن استمرار الاستهلاك بهذه الصورة يضطر الدولة إلى رفع الإنتاج أكثر لدفع الأسعار إلى الاستقرار، موضحا أن هذا دور الذي تلعبه السعودية وينظر إليها فيه، مما يعني أيضا استنزاف موارد النفط بصورة أسرع، أضف إلى هذا الوضع المتعب الضغط الاقتصادي الخارجي على السعودية، فالمتضرر من قوة استهلاكنا للنفط ليس نحن فقط، بل العالم كله.
فقوة استهلاك البترول داخليا يعني ضعف استهلاكه خارجيا، في وقت الأسعار فيه صاعدة ، والطلب على النفط مرتفع.
وأشار إلى أن المشكلة برزت إعلاميا بعد تقرير منظمة الطاقة العالمية الأخير في 2012 عن آثار استهلاكنا المحلي للطاقة، إضافة إلى تقرير سيتي قروب في سبتمبر 2012 والذي أوضح أن السعودية إذا استمرت في استهلاكها المتسارع قد تصبح مستوردة للنفط في 2030، يعني أن النفط السعودي - الذي يعد مصدر استقرار لسوق النفط، لن يصبح متوفرا للاستهلاك العالمي، مما يعني أن الأسعار ستشهد ارتفاعات خيالية، مضيفا أن الاهتمام بهذه القضية يعكس قلق العالم على مصير استهلاكه للطاقة، فكل التقارير التي تصدرها الجهات المتخصصة تذكر أن النفط سيظل أكبر لاعب في سوق الطاقة إلى عقدين على الأقل، وأن المصادر الأخرى متجددة وغير متجددة، لن توازي في أثرها أثر النفط.
طبعا هذا الكلام بافتراض عدم حدوث أشياء جوهرية في سوق النفط، خصوصا في جانب العرض، ونحن نشهد هذه الأيام ضجة عن النفط الصخري، لكن التقارير متضاربة في أثره.
الطاقة المتجددة
وأكد أن مشكلة مثل هذه المشكلة لا تحل خلال فترة وجيزة، فالجهات المسؤولة مستوعبة لهذا الوضع غير الصحي، فقبل ثلاث سنوات أنشئ المركز السعودي لكفاءة الطاقة، وهناك توجه ملموس من الدولة في الاتجاه نحو الطاقة المتجددة بما فيها الشمسية والنووية.
من جهته قال نائب رئيس شركة أرامكو السعودية سابقا الدكتور سداد الحسيني إن تحذيرات التقارير العالمية بشأن ارتفاع استهلاك السعودية مبالغ فيها، حيث تعتمد في تقاريرها على أخذ أعلى معدل للاستهلاك في السنة خاصة في موسم الصيف الذي يرتفع فيه الاستهلاك، مشيرا إلى أن نحو 2 مليون برميل نفط مكافئ تذهب للمصافي الذي تستهلكه في إنتاج منتجات يصدر أغلبها للأسواق العالمية، فمن غير المنطقي احتسابها من ضمن الاستهلاك المحلي بالكلية. وأضاف أن هناك ما يذهب للمشاريع البتروكيماوية حيث يستخدم كلقيم لإنتاج المنتجات البتروكيماوية التي يصدر معظمها للخارج فالسعودية حاليا من كبار المصدرين لهذه المنتجات، فمن غير المنطقي كذلك احتساب ما تستهلكه من طاقة كاستهلاك محلي، مشيرا إلى أن السعودية تتبع سياسة حكيمة في ذلك، فزيادة الاستهلاك لدعم الصناعة داخليا عامل مهم لدعم الاقتصاد الوطني، حيث تنتج سلع تصدر للأسواق العالمية.
وأوضح أن هناك دولا زادت من إنتاجها للنفط كأمريكا والبرازيل وإيران والعراق وغيرها من الدول المنتجة، لذلك فإن الطلب العالمي متوازن وليس هناك ما يهدد استهلاك السعودية لما تنتجه داخليا، مبينا أنه لا يوجد داخل السعودية مشاريع عملاقة حاليا تستهلك كثيرا من الطاقة.

