«لم ألتق بعد بشامان أو ساحر أوكاهن بدائي جعلني أثق في أنه مؤمن حقا بما يفعله، لكنهم جميعا يحرصون على أن تؤمن القبيلة بهم لكي تمدهم بالطعام والاحترام» (جيمس فريزر).
تتأخر الحضارات الإنسانية جميعا في اللجوء إلى العقل، ولا تُقدم على ذلك إلا مضطرة، بعد أن تُنهك نفسها-عبثا-في الهرولة بعناد على طريق الخرافة. بل إن تلك الحضارات التي حررت نفسها من الخضوع للخرافات، كالحضارة الغربية، ما تزال فيها جحافل كثيفة من المؤمنين إيمانا يقينيا بخزعبلات كقراءة الطالع في أوراق اللعب، وفي حركات الأفلاك، وكالعلاج بالقوى الروحية للمبروكين من الأفراد ذوي الطاقات الروحية المعجزة التي تشفي الصداع والسرطان بلمسة واحدة!
ما التفسير لانكباب الناس بكل هذا الإخلاص المثير للشفقة على الخرافات والشعوذات والعلوم الزائفة؟
الجهل وحده لا يكفي تفسيرا لهذا الوباء الاجتماعي الذي لا يستثني فرنسا واليابان وأمريكا ومصر والسعودية والمغرب..لأننا نرصد هذا السلوك المخزي من رجال ونساء متعلمين وبعضهم يحمل درجات علمية رفيعة ربما تكون في تخصصات علمية عالية المقام كالفيزياء الكونية والرياضيات البحتة والفلسفة..!
ولا ضعف التدين، والبعد عن منابع الدين الأصيلة، يصلح تفسيرا شاملا لذلك الميل البشري العجيب للشعوذات والخرافات، فهناك من المتدينين أصحاب الإيمان العميق والمواظبين على أداء فرائضهم، من لا يجدون غضاضة
ولا حرجا، في استشارة عراف ينظر في قاع كوب القهوة التركية، ليستشف ما تخبئه المقادير!
بل إن بعض هؤلاء تسول له نفسه فيخلط بين الدين والخرافة، ويجعل من المشعوذ الدجال شيخا فقيها عالما ورعا!
والدين منهم براء.. ولا الفقر وتدني المستوى الاجتماعي يصلح كذلك لتفسير ولع بعضنا بقراءة (حظك اليوم) وشراء كتب (العالمة الفلكية) التي تنبأت نهاية عام 2013 بقرب حلول عام 2014!
لأن الخرافات تفتك -كما نعاين- بالأثرياء والفقراء، بعلية القوم ومتواضعيهم، لا تفرق بينهم في ذلك أي تفرقة..
بل إنك قد ترى بعينيك -قارئي الكريم- شخصا فاخرا يحمل معه كل مستلزمات الفاخرين من هاتف ذكي وحاسب لوحي وساعة صنعها سويسري ويركب البي إم ويلبس الأرماني ويعلق شهادة حصوله على درجة الدكتوراه في مكان بارز من مكتبه الوثير، ولكنه لا يخجل من أن يكون موقعه الإلكتروني المفضل هو (كرامات أون لاين) حيث يجلس المشعوذون في انتظار طلباته، لكي يسخروا له الجن والعفاريت لتحقيقها، بقواهم الروحية الخارقة عبر الشبكة العنكبوتية شخصيا! لا بد من وجود تفسير لهذا المرض الخطير، وهاكم ما هداني إليه تأملي الطويل: التسلية، نعم، أنا أعني ما أقول، الناس من هذا النوع إنما يتسلون لا أكثر حينما ينصتون للمشعوذين والدجالين وقراء الطالع وأصحاب الكرامات المزعومة..
والتسلية في لغتنا الفصيحة تعني ما هو أكثر من إزجاء الوقت بلعب أو فن.. بل تشير إلى معنى أعمق، فيه ذهاب للحزن، والوحشة، والوحدة، وفيه أنس وطرب وأمل.. وهذا هو الشعور الذي يبحث عنه الواحد من هؤلاء عن الدجالين؛ فالدجال بطقوسه الغريبة بما فيها من ألوان وروائح وأصوات، وبمزاعمه المدهشة، من تخاطب مع الأفلاك، واستحضار للعفاريت، وبوعوده الهائلة، من شفاء للمرضى المحتضرين، واستعادة الشباب في أرذل العمر..الدجال بهذا كله، يسلي من يلجأ إليه، ويخفف عنه بعض ما يكابده من ألم أو ملل..
إذ يصعب على أي متأمل حصيف أن يصدق أن هناك عاقلا في زمننا هذا يصدق حقا أن (العرافة) الشهيرة، تعرف الغيب بالفعل، وأن (الساحر) ذائع الصيت قادر على أن يجعل من زبائنه مليونيرات في غمضة عين بالاستعانة بشمهورش الخطير، وأن (الدجال) الذي يعد بتحويل ألف دولار إلى عشرة آلاف دولار بالاستعانة بالزئبق الأحمر، سوف يفعل ذلك، وأن (المبروكة) الشمطاء التي تُعيد الشباب للنسوة العجائز مقابل (هبة) متواضعة تؤثر النساء الأخريات على نفسها ببركاتها الإعجازية!
كل ذلك محض استعراض مسل، لا يصدقه أحد، لكن الكثيرين يدمنونه لأنه يسليهم لا أكثر..
لكن الثمن الذي يدفعه اللاجئ للخرافة ثمن باهظ مقابل لحظات التسلية العابرة تلك؛ إنه يضحي بعقله، ويحول نفسه بنفسه عامدا متعمدا إلى مغفل!
كفاكم الله الشر!