الشخصية التي ترغب في الانضمام إلى تنظيم سري لا بد أن تتصف بعدد من الصفات منها:
- سرعة البديهة في الخداع والمكر والتخلص.
- تنفيذ المهام دون اعتراض أو سؤال أو تفكير.
- إظهار ما لا تبطن فكراً وسلوكاً.
- استغلال المواقف وتحين الفرص لصالح التنظيم.
- النظر إلى كل إنسان بارتياب.
- الغموض والقدرة على الكتمان الشديد.
- البراعة في تجنيد الناس للتنظيم أو على الأقل في استغلالهم.
- الإيمان بمبادئ التنظيم كثوابت.
إلى غير ذلك من الشروط والصفات.
هل هذه صفات تصلح أن تكون صفات مواطن صالح أو مسلم نزيه أو مؤمن بالإنسانية؟
التنظيمات تقوم على الأرض متباينة الأهداف متنوعة المقاصد بعضها يريد الخير وبعضها يريد الشر، منها إسلامية ومنها يهودية ومنها مسيحية ولا دينية إلحادية وعلمانية وقومية وغيرها.
أود أن أركز الحديث حول العمل السري الإسلامي، لأن الإسلاميين معنيون بالنزاهة والديانة والدعوة إلى الخير والظهور للناس لبيان الحق. أما غير الإسلاميين فيطالبون بالالتزام بالمبادئ العامة والقيم النابعة من منهجهم الذي وضعوه إضافة إلى المبادئ العامة التي يتفق عليها العقلاء من كل اتجاه.
التنظيمات السرية يصعب العمل فيها مع مراعاة القيم الإسلامية كاملة، ولذلك لا يصح الجنوح إليها عدا حالات استثنائية.
العمل السري الإسلامي قام في تاريخ الإسلام قديماً وحديثاً، ولكن بعد التأمل الطويل لا يمكن أن ننسب هذه التنظيمات السرية إلى الشرع أو إلى الدعوة الإسلامية لأنها قامت من منزع سياسي أو مذهبي.
نعم قد يصبغ ببعض الألوان الإسلامية، ولكنه يقوم من منطلق طائفي أو سياسي أو مذهبي وليس من أجل الإسلام، على أننا لا ننكر أن كل من قاموا كانوا يظنون أن الإسلام في صفهم، أو أن الذي يفعلونه في صالح الإسلام.
لنأخذ أمثلة سريعة. تنظيم الهاشميين الذي انتهى بتسلط بني العباس على الحكم وشرعنة الاستبداد، وكان في هذا التنظيم الفصيل الأولى بالحكم وهم الطالبيون. وكان آل البيت يطلبون الحكم عن طريق العمل السري استناداً إلى أحقيتهم في ذلك، ولكن أشد من قام عليهم وانبرى لهم تقتيلاً وتشريداً هم بنو العباس الذين كانوا جزءا من التنظيم. واستمر تنظيم آل البيت سارياً وقتل فيه من قتل من أئمة آل البيت رضي الله عنهم ومن مؤيديهم، وقد تعرض للقتل ونجا منه عدد من الأئمة المؤيدين كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما.
هناك حركات قامت لا تعتبر تنظيمات سرية كحركة ابن الأشعث أيام الحجاج ابن يوسف الثقفي، وحركة الخوارج في عصور مختلفة، وحركة أحمد بن نصر الخزاعي، لذا لن نتعرض للحديث عنها.
وقام الفاطميون في المغرب بالعمل السري حتى تمكنوا من الحكم كبني العباس، ولم يكونوا سوى إفراز للفكر الباطني الذي ينشأ من أصل التعصب للمذهب لا للإسلام.
واستمرت التنظيمات السرية في التاريخ الإسلامي تعمل عملها وكلها تقوم جميعاً على قواعد ضيقة لا شأن لسعة الإسلام وسماحته بها، فهي إما قامت انتقاما، أو عصبية لمذهب، أو لقبلية، أو أسرة، أو طلباً للرئاسة، أو لتغيير حال ووضع معين من باب تغيير المنكر، دون النظر إلى صحة هذا الأسلوب شرعاً وواقعاً.
مما يتناقلونه في تنظيماتهم أن الجاهلية المنظمة لا تقابل إلا بإسلام منظم وعلى هذا الأساس يدعون إلى التنظيم.
ومن الأساسيات عندهم أن الوسيلة الأجدى للوصول إلى أفضل النتائج هي وسيلة التنظيم السري، وهذا ما سنناقشه في هذه المقالة وفي مقالات أخرى.
وهذا يدفعنا إلى التساؤل:
هل العمل السري وسيلة تغيير أم وسيلة احتماء؟
في بعض أحداث التاريخ استطاعت بعض التنظيمات السرية أن تصل إلى الحكم والانقلاب على السلطة كما فعل تنظيم العباسيين وتنظيم العبيديين، وتنظيمات معاصرة كالبعثية والناصرية وغيرها، ونحن لا ننكر أن التنظيم قد ينجح في الوصول إلى أهدافه ولكننا لا نؤمن بأن التنظيم السري سوف يأتي بالأحسن إلا في القليل النادر، وما ذلك إلا من الخلل الملازم للعمل السري.
أما العمل السري كوسيلة احتماء فهو من وجهة نظري الأصل والسبب الأكبر والمبرر الوحيد للجوء إلى هذا الأسلوب، وهو منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنهم وقعوا تحت سلطات مستبدة تقتل وتفتك بسبب الخلاف في الفكر والدين.
نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام قضى في قومه ألف عام إلا خمسين ولم يلجأ إلى هذا الأسلوب ولم يؤمر بأن يعمل سراً، وهذا ما وقع مع موسى عليه السلام حين أراد تخليص بني إسرائيل من قبضة فرعون، بدأ بأمر من الله بإعلان دعوته لفرعون ومحاورته وتحديه مع ما كان عليه من التجبر والطغيان، وعندما أراد الهروب ببني إسرائيل هرب سراً احتماءً وخوفاً، ولم يكتف بالعمل السري والهدوء لهدف الانقلاب على فرعون والانقضاض على ملكه.
وكل الأنبياء كانوا على هذا الطريق لا سيما الذين عانوا من أقوامهم صدوداً أو عدواناً، فالشر هو الذي يفرض عليهم ذلك وليست الأوامر القرآنية ابتدأت ذلك.
ومما يؤسف له أن سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تفتتح بشعار (علنية الدعوة وسرية التنظيم)، وما كانت دعوته عليه الصلاة والسلام ولا حركته سرية أبداً! كيف وأول يوم بدأ فيه دعوته وقف على الصفا ونادى بطون قريش وأمرهم بشهادة ألا إله إلا الله وأخبرهم بأنه رسول الله إليهم، وكان في بداية أمره ينتظر الأمر بالتبليغ.
وبعد أن بلغ قومه أخفى بعض من أسلم إسلامهم خوفاً من الفتنة والإكراه على الكفر لا من أجل عمل سري، وعندما اشتد بهم الأذى هاجروا إلى الحبشة. وجاءت الهجرة الثانية بعد وجود مكان تقوم فيه الدولة لا التنظيم السري.
والذين يحتجون ببيعتي العقبة على العمل السري لا يقدرون الأمور قدرها لأن هاتين البيعتين كانتا للانتقال والهروب من مكة، من مرحلة الضعف والاضطهاد إلى مرحلة القوة وإعلان الدولة، أي التخفي للاحتماء، ليتم التغيير بالإعلان لا بالسرية وللحركة خارج مكة لا داخلها. وفرق بين الإسرار بالدين والتخفي به وبين الإسرار بالحركة والعمل والعيش في أنفاق التنظيمات.
من هنا يجب أن نعلم أن الأنبياء لا يكونون أنبياء إلا بتبليغ النبوة، والله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته).
ويقول في بداية البعثة (يا أيها المدثر قم فأنذر) ويقول له: (وأنذر عشيرتك الأقربين).
فكيف يستوي البلاغ مع الحركة السرية؟ لأن الذي يكشف نفسه للخصم ويدعو إلى ما لا يرضاه عدوه يجعله في مكان لا يسمح له بالعمل سراً، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يتحرك في مكة وهو تحت أعين المشركين، ولكنه يأمر أصحابه بالتخفي خوفاً عليهم لا من أجل الانقلاب على قريش، وإلا لماذا أمره الله بأن يهاجر إلى مكان آخر ما دام هناك تنظيم وعمل سري؟
ولماذا يأتي بعض من أسلم مثل أبي ذر وابن مسعود وأبي بكر وحمزة وعمر ليعلنوا إسلامهم في الملأ ويتحدوا عدوهم ما داموا في عمل سري؟
إن الأمر بكل وضوح هو استخفاء من المشركين خوفاً، ولما وجد بعضهم القدرة على الظهور والإعلان أعلن إسلامه وواجه المشركين.
وتقسيم الدعوة إلى مرحلة مكية ومدنية وسرية وجهرية بهذا القصد غير صحيح.
الحركات السرية لا تتحرك من منطلق الضعف إلى القوة والحماية كحركة النبوة، بل من منطلق التربص إلى التمكين، وإذا رد عليه الصلاة والسلام على قريش الملك والسيادة يوم عرضوها عليه، نرى التنظيمات السرية لم تقم إلا للسيادة بأي شكل كان حتى مع الشروط المجحفة.