الحديث عن نضوب النفط لم يكن جديداً، ولا مجرد رأي يقبل النقاش، فهو في النهاية ليس من الموارد المتجددة كالشمس والهواء، وإن حدث نقاش فهو حول إجابة (متى؟) التي تأتي متفاوتة ما بين مراكز الأبحاث وآراء الخبراء، بين توقعات مرعبة لنا كسعوديين وبين إجابات أُخرى أكثر تفاؤلاً، ونحن بالتأكيد نبحث عما يطمئننا بغض النظر عن دقة المعلومة، ولعل من أكثر الإجابات قرباً للرجاء والتفاؤل هو تصريح الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية المهندس خالد الفالح الذي يشير إلى أن احتياطينا النفطي يكفي لمدة 80 عاماً (الشرق الأوسط 11613)، ولهذا سأكتفي باستفهام (متى؟) ولا أتجاوزه لسؤال: (وماذا بعد؟) كي أتخلص من الحديث عن الموضوع الأقل رعباً، وأنتقل للموضوع الأشد رعبا وسأختصر الأرقام المخيفة التي وردت على لسان وزير المياه والكهرباء المهندس عبدالله الحصيّن في صحيفة الوطن السعودية يوم الخميس الماضي، حيث ذكر أن إنتاج كيلو واحد من اللبن يستنزف قرابة 500 لتر من الماء، أما كيلو اللحم الصافي فيستهلك من الأعلاف ما مقداره 25 ألف متر مكعب من المياه، وإن ما تستنزفه الشركات الزراعية الكبرى في شهر يكفي المنطقة (منطقة حائل) طوال عشرين عاماً، وإن ما اُستهلك خلال الأعوام الستة الماضية يعادل استهلاك 400 عام!
التصريح ببساطة يقول إننا نتصرف تصرفات غريبة تجاه أنفسنا ومستقبل أجيالنا، بل وتجاه الوطن، يجب أن نعترف أننا نمارس جشعا يفوق الوصف!
والمشكلة الأعظم أننا نعرف أننا مخطئون ومع ذلك نتمادى في الخطأ بشكل مقزز ومُستفز، فالمقزز أننا نعلم أننا مسرفون في الماء لدرجة أننا نستهلك 500 لتر من الماء لإنتاج لتر من اللبن - مثلا – يكون سعره في السوق «بريال واحد» فقط، والمُستفز أننا نُصدر الألبان للخارج، وكأننا ندعو الآخرين للاستمتاع بمشاركتنا للهدر الجنوني ونشجعهم على الحفاظ على مواردهم على حساب مائنا، ومع ذلك نتباكى على «الماء» المسكوب لخاطر اللبن!
والمشكلة الأكبر أن حلولنا دوماً تأتي على طريقة المثل الشعبي الشهير «جا يكحّلها عماها»، فقبل سنوات كان الحل لترشيد المياه هو منع زراعة القمح، لكن لم يحدد للمزارع البديل، فتوجه لزراعة الأعلاف، أي أن الحل العجيب زاد الطين سقيا وليس مجرد بلل، فالقمح كان يستهلك الماء لمدة أربعة أشهر هي مدة موسم زراعته، فكان البديل هو الأعلاف التي تتطلب الماء طيلة العام، والآن عدنا ندندن حول العودة لزراعة القمح كحل أيضاً!
الشركات الزراعية هي الأخرى تمارس الجشع المحموم دون أن تُقدم أي خدمة للمجتمع، فهي أتت برساميلها لتجني الأرباح، وتستغل التسهيلات الممنوحة لها كشركة وطنية، وعندما تستهلك الماء في المنطقة سترحل بمعداتها وعمالتها الآسيوية وتبحث عن الماء والكلأ في «مراعٍ» أُخرى، فإن كان احتياطينا من النفط يكفينا لثمانين سنة قادمة، فإننا – على الأقل- سنعيش الثمانين سنة القادمة ننعم بنفط بلا ماء، إلا إذا كانت لدى البعض خطة لجعلنا الدولة التي تتميز بالنقيض كأكبر مصدر للنفط وأكبر مستورد للماء في العالم!
الغريب - لي كمواطن على الأقل – أن أرقام الهدر المرعبة للماء أتت على لسان وزير الماء، الوزير الذي إن لم يكن مسؤولا عن هذا الهدر فهو على الأقل مسؤول عن إيجاد حلول سريعة ونهائية لهذه الكارثة، الوزير قال إن الاستيراد هو بديل يمكن إيجاده، ولا أعرف السبب الذي يجعل الوزير يتباطأ عن التنفيذ ما دام الحل موجوداً. الشركات بدورها ستوجد ألف مبرر لهذا البديل المُقترح، فهل تبادر الوزارة «بحزم» وتتجاوز ضغوط الشركات وأذرعتها الاقتصادية والإعلامية التي ستسخر من هذا الحل، أو على الأقل تقوم هذه الشركات بعمل حقيقي كتبني بدائل كأن تساهم كل شركة بدعم وإنشاء محطات تحلية المياه من البحر، ودعم إيصالها لمناطق المملكة، وهذا بالطبع ليس حلاً بقدر ما هو مثال لإيجاد مساهمة جدية مقابل الكوارث التي ترتكبها هذه الشركات بحق الإنسان، وبالطبع أنا لستُ «وزارة التخطيط» وإن كنت أضعف من موقف وزارة المياه التي تتحدث عن الهدر بلغة الانكسار وكأنها تقول: (العين بصيرة واليد قصيرة)، والحديث في هذا الموضوع «ينشّف الريق» مجازاً.. وإن لم نتجاوز الكلام سيكون «نشف الريق» حقيقة لا مجازا!
هل سنقايض النفط بالماء؟!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
