عندما فر المئات من سكان قرية كسب السورية الساحلية الخلابة الأسبوع الماضي، كان لفرارهم صدى تاريخي لا ينكر، فتلك هي المرة الثالثة منذ 1900 التي يشعر فيها أبناء العرقية الأرمنية بضرورة الفرار نجاة بأرواحهم.
فروا مرة خوفا من جيرتهم التركية الناقمة عليهم، ومرة أخرى بسبب القوات العثمانية، وهذه المرة بسبب اجتياح الثوار للبلدة.
ضربة قوية للجالية الأرمنية التي ترى في البلدة عنصرا أساسيا في الحفاظ على هويتها في سوريا.
أوهانيس غيوكجيان أستاذ في العلوم السياسية، يكتب عن التاريخ الأرمني المعاصر، يقول إن كسب “رمز للتاريخ واللغة والاستمرار الأرمني، إنها تحمل دلالات رمزية مهمة.
ومن ثم فأنا أعتقد أن سقوط كسب هزيمة للهوية الأرمنية في تلك المنطقة”.
استولى الثوار على كسب الأحد قبل الماضي بعد أن شنوا هجوما خلال اليومين السابقين في محافظة اللاذقية الساحلية.
المقاتلون الذين شنوا الهجوم ينتمون لجماعات إسلامية بعضها متشدد وبينها جبهة النصرة.
تاريخ المحافظة يسجل حضورا أرمنيا قديما، لكنها عرفت أكثر بأنها معقل لدعم الرئيس السوري بشار الأسد، فهي مسقط رأس أجداده وأتباع الطائفة العلوية الشيعية التي ينتمي إليها.
الاشتباكات دفعت سكان كسب الذين يقدر عددهم بنحو ألفي شخص للفرار إلى مدينة اللاذقية على بعد 35 كلم، لتخلو القرية التي كانت تتباهى باحتوائها ثلاثة كنائس كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية.
سكان كسب الذين تحدثوا للتلفزيون السوري قالوا إن قذائف هاون وإطلاق نار كثيف أتى من ناحية الحدود التركية نحو قريتهم.
وقال قائد ميداني خلال رحلة نظمتها الحكومة للصحفيين قرب كسب إن المسلحين بدؤوا هجومهم “بدعم واضح من الأتراك”.
المسؤولون الأتراك دحضوا تلك المزاعمالرئيس الأرمني سيرج ساركسيان قال إن كسب هوجمت من جانب المسلحين الأتراك في 1909 ما أجبر سكان كسب من الأرمن على الفرار بحياتهم، وفي 1915 ومع تفسخ الإمبراطورية العثمانية التي ظلت قائمة طيلة ستمئة عام، رحل الأتراك السكان الأرمنيين قسرا، ومات الآلاف منهم وهم يقطعون الصحارى على أقدامهم.
أبناء كسب أنشؤوا موقعا الكترونيا أكدوا فيه تلك الوقائع.
الفرار الإجباري له معنى عميق لدى كثير من الأرمن، فهي واحدة من بقاع قليلة ترجع بهم لجذور الحضارة “كيليكية” أو مملكة أرمينيا الصغرى التي ازدهرت في القرن الـ 11 حسبما يقول غيوكجيان.
مناطق أخرى بسوريا كانت تضم قرى أرمنية قديمة، لكن سكانها هجروها لينضموا لجاليات أكبر في مدن مثل حلب أو تماهوا في كنف أقليات مسيحية أكبر عددا أو حتى هاجروا بحسب غيوكجيان.
وأضاف أن كسب وحدها “احتفظت بهويتها ولغتها”.
وقال أربي مانغاساريان من بادغوير - مركز معني بالحفاظ على التقاليد الأرمنية مقره بيروت “عندما تقول كسب فأنت تشير للأرمن.
إنها تمثل الثقافة الأرمنية”.
وزير الخارجية الأرمني إدوارد نالبانديان قال إن أبناء العرقية الأرمنية يمثلون نحو 70% من سكان كسب.
وقبل الثورة السورية وجد نحو 70 ألفا من أبناء العرقية الأرمنية في سوريا، وتركزوا بشكل خاص في مدينة حلب شمال البلاد، والمنطقة المحيطة بكسب.
وكانوا يمثلون بالفعل أقلية صغيرة وسط 23 مليون نسمة في سوريا، إلا أنهم كانوا جزءا من النسيج السوري الغني بالأقليات العرقية والدينية المسلمة والمسيحية.
ومع استمرار الحرب غادر الأرمن البلاد متجهين إلى لبنان وأرمينيا وكندا والولايات المتحدة.
وتصاعدت النبرة العرقية للحرب، بلعب جماعات من السنة المتشددين دورا أبرز في القتال، وتكاتف الأقليات السورية وراء الأسد خشية على مصيرهم في حال ما إذا وصل المتطرفون للسلطة.
لا توجد إحصاءات لعدد الأرمن الباقين، إلا أن غيوكجيان يقدر عددهم بخمسة عشر ألفا من بين 40 ألفا في حلب قبل الحرب، ويضيف أنه في حين نزح آخرون إلى اللاذقية استمر البعض في كسب.
وقالت إحدى سكان كسب “ماذا سيحدث لنا؟ لا نعلم”.
ويشير استيلاء مقاتلين إسلاميين متشددين على المنطقة إلى غموض مستقبلها.
ويقول غيوكجيان “إذا أردت الحقيقة نحن خائفون مما يحدث الآن. من المستقبل. المستقبل ليس واضحا بالمرة”.
مخاوف أرمنية بعد سقوط كسب بأيدي الثوار
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
