أكتب هذه السطور كفلسطيني وعربي ومسلم لأقول، لا يسرنا أي ضباب في سماء العلاقات العربية. لكن الأمور، عندما تتداعى بين أقطار الخليج الشقيقة، التي تربط بين شعوبها أواصر عائلية، وهي من ذات البيئة الاجتماعية بكل تفصيلاتها؛ يكون التردي العربي الذي نعيشه في هذه الأوقات، قد بلغ نقطة حرجة، يصح معها النظر في الأسباب. وإن كنا في فلسطين، ننشد العلاقة الطيبة والإيجابية مع الجميع، فإننا نتحاشى الخوض في كل الحيثيات. لكن منهج عمل الحكم في قطر، وهي بلد يقدر الفلسطينيون شعبه الشقيق، لم يدع مجالاً للصبر. لذا نأمل أن يقف الحكم في قطر، وقفة موضوعية مع نفسه، وأن يراجع منحاه الإشكالي، الذي لم يترك بلداً ولا حكماً إلا وجعله في مرمى لغته السياسية الرسمية أو في مرمى إعلامه. فقد كنا ــ كفلسطينيين ــ طرفاً مستهدفاً من تلك اللغة ومن هذا الإعلام، بتأجيج الفتنة الداخلية. وقد عجزنا عن فهم الدوافع التي لا يمكن أن تكون «جهادية». بل إن المواقف القطريّة، استندت في سياقاتها إلى حماية واشنطن، التي كانت أثناء ثورة الشعب الليبي على الديكتاتورية؛ ترغب في تسليم الحكم لجماعات أصولية حسب ما رواه أقطاب ليبيون شاركوا في المباحثات مع الغرب أثناء الثورة. وماذا كانت النتيجة؟! انفتح بطن ليبيا لكل الأشرار، وكانت قطر هي الوكيل الحصري للتمكين لهم!
إخواننا في السعودية، معروفون بهدوئهم وصبرهم وبعدم قابليتهم للاستفزاز. وأبناء الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ، تعلموا من أبيهم كيف يتحملون ويصبرون ويستوعبون بحكمة، كل معضلة في العلاقات العربية والخليجية. ويعرف حكام قطر هذا كله جيداً، وبالتالي سيقرؤون رسالة سحب السفراء التي تجرعتها السعودية والإمارات والبحرين علناً!
نقطتان يمكن أن يتسع لهما هذا المقام: الأولى أن المملكة العربية السعودية، كانت صاحبة الفضل على حاكمي قطر عندما مكنت لخليفة بن حمد آل ثاني أن يتسلم الحكم إذ رابطت قواتها على الحدود، منعاً لأي تدخل إيراني لصالح الحاكم المطاح به الشيخ أحمد بن علي آل ثاني الذي كان متواجداً في طهران ومقرباً منها. ولم ينفذ خليفه انقلابه في شباط (فبراير) 1972 إلا بعد التأكد من التأييد السعودي. والنقطة الثانية أن حكام قطر، الذين يخوضون في سوريا معركة كسر عظم مع إيران، لا يخفف حدتها الدعم القطري للحوثيين في اليمن؛ ليس لهم من يساندهم إقليمياً، بعد أن خسروا السعودية والإمارات والبحرين، ويتبرم منهم الكويتيون. فعلى ماذا يعتمد هؤلاء، وإلى أين هم ذاهبون وهم يشرخون وحدة مصالح دول الخليج العربية، ويتدخلون في شؤونها، مثلما يتدخلون في شؤون غيرها؟
إنهم يعتمدون على الأمريكيين الماكثين في قاعدتهم الكبرى، والذين لهم وحدات قمع للشغب، فضلاً عن قواتهم الجوية والبحرية. ولماذا يساندهم الأمريكيون ويُنشئون الفارق في منطقة الخليج، بين حليف استراتيجي متطابق معهم في أهدافهم المعلنة والمسكوت عنها، وحلفاء عاديون يصادقونهم على مستوى الوجهة العامة وعلى أساس مصالح متبادلة، ويختلفون معهم في كثير من التفاصيل؟!
كأن الأمريكيين أوكلوا إلى قطر، مهمة استئناس التيار الإسلاموي، وإدخاله إلى بيت الطاعة عن طريق «الجماعة» وربط أجندته بأجندتهم، وهم ـ من جانبهم ـ لهم اتصالاتهم وعلاقاتهم القديمة بـ «الإخوان». ومن بين المهام أيضاً، تسليط الضوء، من خلال شاشة التلفزة، على كل النقاط المعتمة في ثنايا الحراك الاجتماعي في العالم العربي، إذ لم يعد هناك مجموعة أو فصيل أو حكاية إلا ويعرضها أصحابها على «الجزيرة» ليتولى المحللون المختصون قراءتها بدقة والتعرف على كل ما يجهلونه. كذلك من بين المهام، أن يُصار إلى تسفيه وفضح القوى المتمسكة بالاستقلال الحقيقي بلا تبعيةـ وفي هذا السياق، تنكر حكام قطر لفضل مصر العروبة ولحجمها ودورها، وما زالوا في سياقهم الإعلامي المثير للفتنة في أرض الكنانة!
على من يعتمد حكام قطر، وهم ــ دون رغبة شعبهم الطيب ــ يُغضبون الشقيق العربي البعيد، والشقيق القريب في الجوار؟ إن لم يكن ما نقوله صحيحاً، عن المهام الموصولة باستراتيجية الهيمنة الأمريكية على العرب في زمنهم الجديد؛ هل نعتبر حكام قطر أصوليين و»مجاهدين» ويتقبلون أسلوب «داعش»؟! نأمل أن يجتمع حكام قطر مع حكماء شعبهم، وأن يصلوا إلى قناعة بأن الأمور لن تمشي على هواهم .فهل يفعلون؟! فالفلسطينيون يألمون من سياسة قطر، وهم يعلمون مشاعر غزة حيال «حماس» و»الإخوان» بعد سنوات من حكمهما الاستبدادي!
الفلسطينيون يألمون من سياسة قطر
عدلي صادق4 دقائق للقراءة

حجم الخط
