يُروى عن عامل في أحد المصانع أنه كان يغادر مصنعه في نهاية كل يوم وهو يجر عربة يد مملوءة بالقش، فيقوم حراس الباب بتفتيشها تفتيشاً دقيقاً دون أن يعثروا فيها على شيء غير القش، وأخيراً وبعد فترة طويلة، تبين أن العامل يسرق عربات اليد نفسها!!
فكثيراً ما يكون الشيء أمام العين ولا نراه! ويقول «الإمام البوصيرى» في بردته (قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد... وينكر الفم طعم الماء من سقم). فالحواس بالفعل تخدع، و»رينيه ديكارت» قال: (الحواس تخدع من آن لآخر، ومن الحكمة ألا تثق تماماً فيمن خدعك ولو لمرة واحدة).
وعلى الرغم من أن حواسنا تخدعنا فإنها بشكل عام وفية ولا ترضى أن تفارقنا، فمثلاً عندما يفقد شخص ما أحد أطرافه يعاني مما يُعرف بـ»الأعراض الشبحية»، حيث يظل شاعراً بوجود طرفه المفقود بعد بتره لدرجة أن البعض يسارع بحك هذا الطرف!
منذ عامين وفي جامعة طوكيو باليابان، وكأن هذا ما ينقص الحواس، طور باحثون نظاماً عبارة عن خوذة تغطي العينين ويتم توصيلها بمصادر روائح عطرية مختلفة، وذلك بهدف خداع النظر من خلال ما يُعرف بتقنية «الواقع المعزز»، وهو ما يؤثر تلقائياً في حاسة التذوق. مما قد يتيح خداع إنسان وإقناعه بأنه يأكل ثمرة مانجو في حين أنه يلتهم صدر دجاجة مثلاً!
وقد يمر خطأ ما على عشرات الملايين من البشر ومع ذلك لا ينتبهون له؛ فالكثير ممن قرؤوا رواية «ذهب مع الريح»، لم يعرفوا أنها تحوي خطأ كبيراً يتمثل في وفاة زوج (ميلاني) في معركة «جيتسبرج» في أول يوليو 1863، وميلاد طفلها منه خلال حصار أتلانتا في أول سبتمبر 1864! وحين تحدث ناشر الرواية مع المؤلفة «مارجريت ميتشيل» عن هذا الخطأ قالت له: «دعنا نأمل أن تستولي القصة على مشاعر القراء بحيث لا يكتشفون هذا التناقض الزمني»!
حولنا الكثير من الأمور التي قد لا نراها، أو نراها ولا نعرف قيمتها، أو نراها ونقدرها وهي بلا قيمة! مطلوب التعقل في استخدام الحواس لأنها ستسارع بخداعنا مع أول فرصة.
بردة البوصيري وصدر الدجاجة
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
