لا ينكر أحد ما قدمه الغرب ومدرسته الطبية بداية من القرن الثامن عشر الميلادي من إنجازات رائعة أدت إلى انحسار العديد من الأمراض الخطيرة حتى إن الطب (وكما يذكر كتاب الطب الامبريالي والمجتمعات المحلية لديفيد ارنولد) كان يعد أحد الدعاوى والمبررات التي تعطي للاستعمار شرعية، فهيوبرت ليوتي وهو الفرنسي الذي أرسى دعائم الطب العسكري الفرنسي في أفريقيا قد ألقى خطاباً في 1926 قال فيه (إن العذر الوحيد للاستعمار هو الطب، وإن كان هناك أمر واحد يضفي النبل على الاستعمار ويبرره فهو ما يفعله الطب).
على أن أغلب الباحثين في العصر الحديث أعادوا تقييم هذا التاريخ فألقوا الضوء على تلك الكوارث التي لحقت بشعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا والتي جعلت من الاستعمار خطرا صحيا رئيسا على السكان المحليين وإن أي نجاح طبي تحقق في المستعمرات الأوروبية إنما تحقق متأخرا ولم يصل إلا إلى جزء بسيط من إجمالي عدد السكان.
فالأمراض الوبائية التي حملها الغربيون لتلك المستعمرات والتي لم يكن لديهم بها خبرة أو مناعة «كالجدري والحصبة والزهري» كان لها أكبر الأثر في إسقاط امبراطوريات مستقرة وقوية مثل امبراطورية الازتيك والانكا بالمكسيك، مما كان لها دور لا يقل عن دور الآلات الحربية الفتاكة. فالجدري كان السبب في موت نصف السكان المحليين في بورت جاكسون في 1789، والحصبة أدت إلى مقتل ثلث سكان فيجي المحليين.
وبالجملة فإن الأوربيين الغزاة سببوا تأثيراً قاتلاً في المجتمعات التي غزوها. وتكررت تلك الأحداث في أفريقيا وآسيا حتى إن مصطلح «عندي داء السفن» -وصفاً للمرض الغربي- كان مصطلحا في كل بقاع العالم. ويبقى التساؤل: لقد دفع العالم غير الأوروبي ثمناً باهظاً لهذا التقدم الطبي، فهل يا ترى استرد بعضاً من حقه في الكعكة الطبية، أم إن الغرب وطبه ما زال مداناً بالكثير لفقراء أفريقيا وآسيا وأمريكا؟