كانت جراثيم داء العنطزة الخبيثة محدودة الانتشار بيننا في السابق؛ حتى إنك كنت بالكاد تقابل مصابًا بها، وكانت فرص الكشف عن المرض ومحاصرته والقضاء عليه سهلة ميسرة، لا تتسبب في تحوله إلى وباء شديد الانتشار.
فكان اكتشاف أعراض العنطزة يتم من المحيطين بالمصاب، فيأخذونه لأقرب مصحة مجتمعية لتلقي العلاج بسرعة فائقة.
وكان بيننا استشاريون أكفاء خبراء يتمكنون من عزل الجرثومة واستزراعها في مختبرات الصدق، وبالتالي، التمكن من تركيب اللقاح المناسب في الوقت المناسب، وإعطائه للمحيطين بالمصاب.
وكان المجتمع يعي خطورة هذا الداء، ويدرك أفراده طرق الوقاية منه بحذافيرها، ويثبتون ذلك في تطبيق مفهوم التثقيف الصحي لعقول الناشئة؛ فمكث ذلك الداء محدود نطاق التواجد، ولم يكن يومًا مشكلة اجتماعية.
ولكن أوضاع عصرنا الحالي قد تغيرت، والبشر كذلك تغيروا، فشاع عدم الاكتراث، وساد إهمال المصابين، مما زاد من رقعة العدوى، وجعل الجميع يتعاملون معها ببرود أعصاب غريب.
تصيب العدوى حضرة المسؤول فيستصرخ جنود العلاقات العامة في جهة عمله، ويفصل كبيرهم الكسول، ويعين البديل الثعلبي، الذي يعرف كيف تصور الكتف!.
المسؤول الحريص يريد علاقات عامة تحرق غترته بالفلاشات، وتزيل تهمة الإهمال والفساد عن بشته النزيه، ويريد جهات راعية، بعيدة النظر، لتكريمه في الطلعة والنزلة، وتدجيجه بالدروع بكل الأحجام والألوان، فلعلها أن تحميه من سهام المواطنين المتوحشين المطالبين بالخدمات.
وهو يريد شهادات تميز استبرقية، وسندسية، وحبذا ما يكون منها مطرزًا بالياقوت والزبرجد.
ليس المهم ما يؤديه من أعمال في وظيفته، ولا قدر إنتاجيته، وليس مهمًا إرضاء المواطنين، الذين لا يرضيهم العجب!.
ولكن الأهم لديه أن تكون صورته موجودة بكل الأحجام والأشكال والأوضاع في جميع الصحف، وعلى كافة وسائل الإعلام قديمها وحديثها، فلعل ذلك أن يكون طاردًا للعين النزيهة المتتبعة له.
قصائد ومقالات حلزونية تكتب في المسؤول من منتفعين ينشرونها في كل مكان، بركاكة تدعو للقيء، وبحبر يسيح منه النفاق، ويتدفق منه الكذب الصريح، والمسؤول يلعب دور (يا ساهي لك الله)، عندما يُسأل، وينكر معرفته بالقائل، ولا بمن دفع له، ليزيد رصرصة الكلمات المضحكة المحزنة!.
مؤتمرات مرقعة يكتفي منها بكلمة الافتتاح، وسيل من الصور يغسل الأعين، ثم يتركها لمن يأتون من بعده بمحاضراتهم المخزنة من سنوات، وينطلق هو للترزز في مؤتمر صحفي.
الداء ينتشر، والعلامات تظهر بقوة ووضوح، والمجتمع صار يبارك العدوى، وينكر العلاج.
الجرثومة كانت غير مرئية بالعين المجردة، وهي الآن بحجم النوق المزايين، ويقال إنها لم تعد تصيب فقط أصحاب البشوت؛ فحتى صغار الموظفين أصبحوا معرضين للجرثومة اللعينة، فيبادرون بالبحث عما يمكن أن يتعنطزوا به، ويرسلوا صورًا للصحف عن تسلمهم لدرع النرفزة، وشهادة الفنطزة، والتي تكمل أعراض العنطزة.
ومن يلومهم على ذلك؟، وقد التقطوا العدوى من رذاذ عطاس رؤسائهم دائمي العنطزة.