وجه العلماء تحذيرا شديد اللهجة من أن زراعة محاصيل الوقود الحيوي تضر بالبيئة وترفع أسعار المواد الغذائية، وذلك ضمن تقرير الأمم المتحدة الخاص بتغير المناخ الذي حمل عنوان: ملخص لواضعي السياسات، زيادة زراعة المحاصيل لاستخدامها في الطاقة الحيوية يشكل خطورة بالغة على النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي.
التحذير الذي أوردته الصنداي تليغراف تحت عنوان: العلماء يعترفون.. زراعة الوقود الحيوي، خطأ فادح!، يدين الاستخدام الواسع النطاق للوقود الحيوي المصنوع من محاصيل زراعية كبديل للبنزين والديزل، صاغه فريق حكومي دولي، حيث أثبت للمرة الأولى في منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة أن الوقود الحيوي لن يعالج آثار ظاهرة الاحتباس الحراري وإنما سوف يجعلها أسوأ بمراحل من استخدام من الوقود الأحفوري الذي يشمل الفحم الحجري والغاز الطبيعي والبترول وغيرها.
الوقود الأحفوري
مطلب لكل البلدانخلصت الوكالة الدولية للطاقة إلى أن بلدان منظمة التعاون والتنمية وحدها لا تستطيع وضع العالم على الطريق المفضي إلى تحقيق النسبة المطلوبة حاليا لاستقرار تركيزات ثاني أكسيد الكربون عند 450 جزءا من المليون بحلول 2050، بل وحتى لو تسنى لها خفض الانبعاثات لديها إلى الصفر، أو بعبارة أخرى، حتى لو اختفت الدول الثلاثون الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية من على كوكب الأرض، فإن ارتفاع انبعاثات الغازات من البلدان النامية سوف يوصلنا إلى مستويات أعلى بكثير من هدف الـ 450جزءا من المليون.
أما إذا تمكنت الدول الغنية بطريقة ما من أن توقف اعتمادها بسرعة على الوقود الأحفوري، فإن المفارقة هي أن ذلك سيجعل الوقود الأحفوري أكثر جاذبية بالنسبة للدول النامية، ويوجد نحو 80 % من الوقود الهيدروكربوني في العالم في الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية، وإذا قررت الدول الغنية التخلي عن استخدام الوقود الأحفوري، فإنه سيصبح أقل تكلفة بالنسبة للبلدان النامية، الأمر الذي سيشجعها على استخدامه!
جريمة في حق الإنسانية ترتكب منذ سبعة أعوام
فيما أدان تقرير بشأن تغير المناخ في 2007 استخدام الوقود الحيوي على نطاق واسع، يضغط التقرير الحالي في 2014 بقوة على قادة العالم لإلغاء سياسات استمرار وتشجيع استخدام الوقود الحيوي في وسائل المواصلات بديلا عن البنزين، ويكفي أن نقرأ هذه العناوين في الإعلام الغربي لنتأكد من ذلك ففي 16 سبتمبر 2012 قالت الهدف من الوقود الحيوي إضافة 35 دولارا سنويا لتكلفة تشغيل السيارة الواحدة!.
وفي 23 يناير 2013 قالت أهداف الوقود الحيوي القيادة العالمية لأزمة الجوع!.
وفي 16 مارس 2013 قالت الوقود الحيوي فضيحة كبرى!لكن يبدو أن البداية الحقيقية لكشف الزيف والأهداف الخفية لاستخدام الوقود الحيوي كانت في 2009، حيث وصف عالم الاجتماع السويسري جان تسيجلر الحائز على جائزة حقوق الإنسان العالمية في فرع الأدب، أزمة الغذاء التي يعاني منها عدد من سكان العالم بأنها عملية قتل جماعي بصمت وجريمة في حق الإنسانية، مؤكدا أن المنظمات الدولية مسؤولة عن انتشار المجاعات في العالم وتلوث البيئة وتغيير المناخ، حيث تسعى إلى تحقيق الأرباح والمكاسب المادية بكل الطرق الممكنة، عن طريق زيادة إنتاج الوقود الحيوي بالتزامن مع نشر المخاوف الإنسانية.
تنامي القوى الصاعدة يستنزف الموارد الطبيعية
التغيرات المناخية أهم التحديات التي تواجه الأسرة الدولية، كما أن تنامي القوى الصاعدة في العالم اليوم يستنزف الموارد الطبيعية، وهو ما يطرح إمكانية أن يشهد القرن الحادي والعشرون عودة إلى المنافسة الجيوسياسية.
ولا سبيل أمام الولايات المتحدة اليوم إلا بناء علاقة تنسيق وتعاون مع “الصين” تحديدا لتطوير مصادر بديلة للطاقة، ووقف معدلات التدهور في “التغير المناخي” وثيق الصلة بأمن الطاقة.
لذا رحبت الأمم المتحدة بالتعاون الصيني والأمريكي في هذا المجال مؤكدة ضرورة اتخاذ قرارات ملموسة بشأن تمويل مشاريع حماية المناخ في البلدان النامية أيضا، بحجم 10 مليارات سنويا لإجراءات عاجلة حتى 2020وفي أحدث تعاون مشترك في هذا المجال تعتزم الصين خفض انبعاثاتها الغازية بنحو 54% فمع نمو الاقتصاد الصيني تزداد حاجة الصين إلى الطاقة، حيث تعد أكبر ملوث للهواء في العالم إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما جعلها تتعهد بخفض الانبعاثات الغازية بنسب واضحة حتى 2020، وذلك عبر إحراقها كميات أقل من الفحم والاستفادة الأكثر من الطاقة المتجددة والنووية.
ففي كينيا، الموطن الأصلي للرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما، على سبيل المثال أصبحت فترات الجفاف تتعاقب مع فيضانات غير معتادة، وحسب الخبراء، فإن هذه التبعات الخطيرة والمدمرة ستكلف في النهاية أكثر من مشاريع حماية المناخ.
الربحية على حساب مستقبل البشر والأرض
التناقض الصارخ بين التنمية المستدامة واستنزاف الموارد الطبيعية قديم قدم الثورة الصناعية في أوروبا وليس حديث العهد كما يروج الآن، فقد أشار الباحث فرانك فيفان إلى فضل الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي أوغسطين كورنو “1801 - 1877” في تعريفنا بأكثر المفاهيم شيوعا اليوم، في وقت لم يلتفت كثيرون إلى أهمية تبصراته، فقد رأى كونو أن المشكلة الرئيسية تكمن في الرأسمالية المتوحشة، التي تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الربح.
وهو ما يتناقض مع منطق الطبيعة والمحيط الحيوي، ويمكن أن يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية واختلال التوازن البيئي، فضلا عن دمار كوكب الأرض.
وفيما يتعلق بإدارة اقتصاديات الغابات في عصره، كتب يقول: إن كل ما يهمنا اليوم هو تحقيق أعلى عائد سنوي من الأخشاب في المتر المكعب، ولا نعمل حسابا لما هو أكثر فائدة لمستقبل الجنس البشري، من حيث المحافظة على الموارد الطبيعية ذات الاهتمام الأكبر للبشرية، إن الاقتصاد الرأسمالي، القائم على أساس السعي لتحقيق أكبر قدر من الربح المالي، سيدمر البيئة الطبيعية لأنه يستنزف مواردها دون أن يتمكن من تجديد هذه الموارد مرة أخرى، خاصة الوقود الأحفوري، مما يؤكد حاجتنا القصوى للتوافق الدولي، والتعاون بين العلماء من مختلف التخصصات في العالم، وفي القلب منها الاقتصاد السياسي، وهي مهمة لم تنجز بعد.
الإنسان يتعمد الإضرار بالطبيعة وتغير المناخ
المعنى الذي صاغه أوغسطين كورنو قبل عقدين من الزمان، لا يخرج عما ورد في التقرير الحالي والإضافة الجديدة هي أنه أول تقرير أممي موثق يستند إلى النتائج العلمية المعاصرة، التي تثبت تأثير الإنسان المتعمد وضرره على الطبيعة وتغير المناخ! ويشمل إتلاف الغابات وزيادة انبعاث الكربون والضغط على مصادر وإمدادات المياه المتجددة، وارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية الرئيسية اللازمة لتخمير إنتاج الوقود الحيوي، خاصة غاز الإيثانول الذي يصنع من قصب السكر والذرة ويستخدم كبديل للبنزين، في حين يصنع الديزل الحيوي من بذور اللفت وزيت عباد الشمس أو زيت النخيل.
التقرير يشير إلى معلومات خطيرة منها: أن الاتحاد الأوروبي سيزيد من إنتاج الوقود الحيوي المستخدم في وسائل النقل إلى 10 % بحلول 2020 على الرغم من أنه قد يحد من كمية المحاصيل الغذائية بنسبة 5 %، ناهيك عن أن نحو 5% من الوقود المباع في المملكة المتحدة يأتي من وقود الديزل الحيوي، أما أحدث أرقام وزارة النقل فهي تظهر أنه تم استهلاك 1.33 مليار لتر لمدة 12 شهرا حتى أبريل 2013.
المخاطر الحالية تحتم ترشيد إنتاج الوقود الحيوي
التقرير يبرز مخاوف دعاة حماية البيئة وينص على: إذا لم تتم إدارة رشيدة لإنتاج الوقود الحيوي، فإن استنزاف المواد الزراعية الأولية سيضر بالمحاصيل الغذائية والنظم الإيكولوجية الطبيعية، مشيرا إلى خطورة إزالة الغابات مما يصعب تعويضه لعقود أو قرون نتيجة لعدم صد انبعاثات الكربون الناجمة عن التغييرات الطبيعية لإنتاج الوقود الحيوي من الذرة، وإساءة استخدام التوازن الإيكولوجي على كوكب الأرض.
ويضيف التقرير: الزيادة في الطلب على الذرة يسهم في ارتفاع أسعارها وهو ما سوف يزيد حالات سوء التغذية خاصة بالنسبة للشرائح الفقيرة والأشد فقرا لسكان العالم.
وعلى الرغم من أن المتحدث الرسمي باسم تغير المناخ في الأمم المتحدة قد قال: لا نستطيع التعليق حتى يتم نشر التقرير النهائي في 31 مارس 2014، حسب صحيفة الصنداي تليغراف، فإنه لم ينكر ما جاء فيه! حتى لو تمكن “الغرب” من خفض استهلاك النفط بنسبة تصل إلى 17 % فسوف يظل مضطرا إلى الاعتماد على نفط الخليج والمملكة العربية السعودية تحديدا.
الانبعاثات معادلة صعبة بين البلدان الغنية والنامية
ستيفن هايوارد، الأستاذ في معهد أمريكان إنتربرايز لأبحاث السياسة العامة في واشنطن، يرى في كتابه “الطاقة وتغير المناخ: أهم التحديات في العقد الثاني من الألفية الثالثة”، أن الطاقة هي المورد الرئيسي اليوم، لأنها تعد أساسية لكل شيء آخر في الاقتصاد، ويرى أن ثمة علاقة وثيقة على الصعيد العالمي بين استهلاك الطاقة ورفاهية الإنسان، والمفتاح هنا هو توافر الطاقة الرخيصة، إذ إنه لا توجد أمثلة تدل على أن أمة من الأمم الثرية تحقق لها الثراء بفضل استعمال طاقة باهظة الثمن.
وليست هناك دولة واحدة ثرية، بما في ذلك الولايات المتحدة، يتوقع حاليا أنها ستعتمد مصادر طاقة منخفضة الكربون خلال السنوات العشرين المقبلة على نطاق كاف، وإذا كانت الدول الغنية غير مستعدة أو غير قادرة على اعتماد طاقة منخفضة الكربون على نطاق كاف، فكيف نفترض أن تقوم الدول النامية بذلك؟ خاصة أنها تحتاج إلى الطاقة الرخيصة لتغذية النمو الاقتصادي فيها، وأن البلدان الغنية لا تستطيع مساعدتها على تحمل هذه النفقات، ففي الاتفاقات الدولية السابقة، كانت الدول الغنية قادرة على أن تتبوأ موقع القيادة في إيجاد السبل الكفيلة بالحد من الملوثات ومساعدة البلدان النامية.
أما الآن، فإن تكاليف تطوير مصادر بديلة للطاقة، حتى يتسنى بلوغ أهداف دولية محددة للانبعاثات، مرتفعة جدا.

