حسب تعريفها، الانتخابات البلدية تدور حول اختيار قادة محليين. ومع ذلك فإن الانتخابات المحلية في تركيا نهاية هذا الأسبوع ستكون حول أمور أكثر بكثير. ستكون الانتخابات بين رؤيتين للديمقراطية ونتائجها سيكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل الحريات الديمقراطية في هذا البلد الهام الحليف للغرب.
بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان، انتهى عقد من الهدوء النسبي مع احتجاجات تركزت على حديقة جيزي العامة في ساحة تقسيم في إسطنبول في العام الماضي، والتي أدت إلى حشد على مستوى الدولة ضد أسلوب رئيس الوزراء الاستقطابي. وأخيرا واجهت الحكومة ضغوطا جديدة بعد موجة من الاتهامات بالفساد، معظمها تسربت بشكل يومي من خلال شبكات الإعلام الاجتماعي.
رد رئيس الوزراء على هذه التحديات –بالإضافة إلى حجب تويتر ويوتيوب- هو تجاوز الانتقادات من خلال التأكيد على شرعية حكومته لحكم البلد. خلال حملته الانتخابية لمرشحيه المحليين، أكد السيد إردوغان على أهمية الإرادة الوطنية، مكررا اعتقاده بأن المصدر الرئيسي لشرعية الحكومات هو الانتخابات. هذا أيضا هو السبب الذي جعله يختار تحويل الانتخابات المحلية إلى استفتاء عليه وعى حزب العدالة والتنمية.
لكن الأهمية الحقيقية للانتخابات المحلية ستكون في تقرير المرحلة التالية لخدع السيد إردوغان السياسية اعتمادا على نتائج الانتخابات المحلية، قد يقرر رئيس الوزراء أن يصبح مرشحا في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في أغسطس. حزبه سيحتاج إلى نسبة قريبة من 50% التي حصل عليها في الانتخابات البرلمانية عام 2011 حتى يستطيع التفكير في هذا الخيار بشكل جدي. إذا فشل في هذا، فسوف يرغب في قيادة حزبه في الانتخابات البرلمانية لعام 2015. تغيير النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية الذي ينص على حدود القيادة بثلاثة فترات سيمكنه من الاستمرار في سيرته السياسية. السيناريو الثالث الذي لا يمكن استبعاده هو أن تتراجع شعبية حزب العدالة والتنمية كثيرا بحيث تصل إلى 35 % على سبيل المثال. ذلك سيجبر السيد إردوغان على إنفاق مستقبله السياسي في المستقبل القريب لضمان تماسك حزبه في وجه خطر متزايد من المعارضة الداخلية.
بالنسبة للسيد إردوغان، الدعامة الثانية لشرعيته هي مؤشر أداء حكومته. لكن ما يفشل في أخذه بعين الاعتبار هو «شرعية العملية» –والتي بالمناسبة هي سبب عدم الاستقرار مؤخرا في تركيا.بعكس معايير إردوغان للشرعية الديمقراطية، وهي هيكلية، فإن شرعية العملية هي سلوكية. وهي تتعلق بالطريقة التي يتم من خلالها تطبيق حكم القانون، وتطبيق الشفافية في آلية اتخاذا القرارات، وحماية الحريات الإعلامية، وضمان مشاركة أوسع في صنع السياسة. شرعية العملية ترتبط بشكل جوهري أيضا بقدرة النظام السياسي على السماح والتجاوب مع المعارضة. بالنسبة للديمقراطيات الليبرالية، شرعية العملية هامة مثل باقي دعامات الشرعية الديمقراطية. هذا بشكل أساسي ما يميز الديمقراطيات الليبرالية عن الديمقراطيات غير الليبرالية.الديمقراطية التركية نضجت وتجاوزت نقطة قبول هذه النسخة الضحلة من العقد الديمقراطي. قد يكون السيد إردوغان لا يزال أكثر السياسيين شعبية في تركيا لكن حكومته تفقد الشرعية كل يوم ترفض فيه تطبيق حكم القانون بشكل كامل وتدخل المزيد من الشفافية إلى صناعة السياسة. لذلك فإن عدم الاستقرار السياسي في تركيا لا يمكن تجنبه فقط بالفوز في الانتخابات. حتى لو فاز حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه السيد إردوغان بنسبة كبيرة، هذا الغضب الشعبي لن يتلاشى.
الطريقة الوحيدة للمضي قدما للحكومة التركية هو في التعامل مع هذا العيب الهام في تفسيرها للشرعية الديمقراطية. الاتحاد الأوربي يستطيع أن يلعب دورا بناء في دفع الحكومة التركية نحو جدول أعمال أكثر طموحا وشمولا من الإصلاحات السياسية من خلال البدء بالحديث عن الحريات الأساسية كجزء من مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد.
تركيا بحاجة لهذا التغيير في فهم الشرعية الديمقراطية للانتقال إلى مرحلة أفضل من الديمقراطيات الليبرالية.
* فاينانشال تايمز