ليس أشد خطورة على الأفراد، وأكثر فتكا بالمجتمعات من (التطرف)، عندما يصبح (ظاهرة)، والحقيقة إن مجتمعنا لم يرتهن خلال مراحله التاريخية إلا لنوع واحد من التطرف، هو (التطرف الديني) الذي أفضت حالاته المغالية إلى كثير من (الأخطاء) الفادحة عنفا وتدميرا وإقصاء واستماتة في (تسييج) فضاء المجتمع بكتل (اسمنتية) صلدة، بعد (حشره) في (أضيق) مساحة، يمكن أن يعيش فيها إنسان على أرض الله الممتدة كرما ونعما وبهجة وخيرا. ربما أن ثمة تيارات قد ظهرت بين الحين والآخر داخل مجتمعنا، اشتط البعض في إثبات تبعيتها للحركات الاشتراكية والعلمانية والليبرالية، لمجرد (قصيدة) خالفت إيقاع القصيدة (الجاهلية)، أو (رواية) غامرت في مقاربة اللحظة التاريخية في إسقاطاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية المتنوعة، أو (محاضرة) قال قائلها بأهمية (المنهج العلمي) في قراءة الوقائع والأحداث، أو(مقالة) أفصحت عن (منهج خفي) داخل مقررات أبنائنا الدراسية! وإذا صادقنا على وجود طيف (راعش) من الأطياف العلمانية والليبرالية (أو الحداثية كما يقول بها الكثير، لتشمل -بلا دراية- العلمانيين والليبراليين و... على السواء)، فما هو الضرر الذي أصاب المجتمع من تلك الأطياف (الثقافية)؟ وهل كان لها أدنى علاقة بالتدمير والقتل (المتطرف)، الذي جرت أحداثه داخل بلادنا؟ أو بنظرة العالم البغيضة المتوجسة لنا بعد حوادث الإرهاب خارج البلاد؟ أو بالتجييش (المتطرف) الذي أخرج شبابنا من حضن أوطانهم ورعاية آبائهم، للمشاركة في حروب (رخيصة) لصالح الجماعات الجهادية المتطرفة (كذلك) في أرض الشام، والتي قاد (أمراؤها) الشاب السعودي إلى قتل أخيه (ابن أمه وأبيه)، لاختلافات (شيوخ الجماعات) في (أبسط) قضايا (التدين المتطرف)، الذين لم يتورعوا أو يخجلوا من ممارسة (تطرفهم) البغيض في إقصاء وتكفير كل منها للآخر، في مشهد لم يشهد التاريخ الإسلامي الحديث أكثر منه بشاعة وجهلا وابتعادا عن دين الله الحق..دين الحكمة والعقل والاعتدال! بدأ التطرف لدينا منذ ثلاثة عقود عن طريق ما يسمى(بالصحوة)، التي منعت (غفوتها العقلية) مجتمعنا من أن ينمو طبيعيا، في ممارسات تدينه وحياته وعمله وعلاقاته، وحجبت عنه أشعة الحب والتفاؤل والجمال والأمل في حياة هانئة متحضرة! لن أقول -بالطبع- جديدا عن الذي كتبناه منذ أكثر من عشرين عاما عن وهن وانكشاف حقيقة الفكر الصحوي، فشيوخ هذه (الحركة) زعموا بأن هدفهم دعوي، لإثبات عقيدة التوحيد من جديد، ومناهضة مشاريع الزندقة والتغريب في مجتمعنا المحلي، والحفاظ على الفضيلة داخل المجتمع، التي تمثل (المرأة) أهم تجلياتها، وقاية لها من الانحراف والفساد! فكأن هؤلاء الصحويون ذاتهم الذين كانوا مستبضعي التمر إلى (هجر) (بالعربي)، أو حاملي الفحم إلى نيوكاسل (بالغربي) «to carry coal to Newcastle»!، فمجتمعنا موحد لرب العزة والحلال إلى آخر فرد منه، وآباؤنا كانوا هم دعاتنا إلى الواجبات الدينية والفضائل الإسلامية التي(شربناها) مع حليب أمهاتنا في الغرف المطمئنة، التي كانت (سجاجيدها) الطاهرة في اتجاه القبلة دائما،وصوت (الخياط) و(الشيخ ابن باز).. (نوران على الدرب) ينسلان بهدوء وسكينة، من جهاز عتيق فوق شرفة مفعمة بالحنين! أما حكاية (التغريب والتزندق)، فليس لها ما يبررها على الإطلاق، في مجتمع كان يخطو خطواته المبكرة في التعليم والتربية والثقافة، بل إن ما كان يحتاجه حقا هو (الانفتاح) على التجارب والثقافات الأخرى! والحال (ينطبق) على المرأة داخل هذا المجتمع المتدين (بطبعه)، والتي كانت رمزا للشرف والفضيلة والقدوة الصالحة لجيل كان يشب بروح إيمانية على الطوق! ومن جهة أخرى فإن هؤلاء الصحويين لم يستفد منهم المجتمع، من خلال أي طريق للمساعدة الاجتماعية، أو الاهتمام بالمشكلات الحقيقية كالفساد واللامبالاة (العملية) وسيطرة الصوت الواحد على السياق المؤسساتي الإداري... أو المشاركة في تجليات التنمية التعليمية والاقتصادية... لم يجد هؤلاء الصحويون سوى (الدعوة) إلى مظاهر وأشكال محددة (للتدين)، من لباس ومظاهر، وإلى التصرف بشكل حزبي متطرف لظاهرة الصحوة ورموزها! ولذلك، فقد كانت (الدلائل) تقول منذ البداية بأن (الصحوة) ليست سوى الغطاء الفكري للإسلام السياسي، الذي يمثله في المجتمعات العربية الإخوان المسلمون، وبالتالي فإن (الشغلة) كلها واحدة (في حقيقتها)، ف(الصحوة) هي المنتج الفكري (للسياسة الإخوانية) ومن مخرجات (الصحوة) المتطرفة نشأت (القاعدة) التي ملأت الدنيا وقاتلت النفوس البريئة، وهي التي كانت النواة التي انبثقت عنها (داعش) ثم (النصرة).. وبقية الجماعات الجهادية الأخرى..
كيف لو لم (يصح) مجتمعنا على طريقة (الصحويين).. منذ البداية؟ كيف لو (صحوا) على نداءات الوعي الخلاق والثقافة الخالصة.. هل يكون الحال كما هو حالنا (البائس) الآن؟!.. هل كان يمكن أن (يكفر) أحدنا الآخر بسبب قصيدة قرأها على عجل (صحوي)؟.. هل كان من الممكن أن يرحل أخوان في اتجاه الشمال (المتوتر)، ليقاتل أحدهما الآخر؟!... ولكن الزمن (لا يعود) إلى ماضيه.. ولا تعود (فرصه) الممكنة!!.. يالفداحة (الخسارة)!