القرآن مليء بقصص الأحزان، وآيات العاطفة، كل قصة تبعث على انفعال النفس وانجذابها إلى سياقها، حتى كأنك تعيش الموقف وتعاني آثاره وآلامه ومشاعره.
ونفس الإنسان يصاحبها الحزن في موقف العاطفة وغير العاطفة. فالبلاءات كلها قصة حزن واحدة مهما تباعدت أزمانها واختلفت أحوالها وشطت أماكنها أو تناءت. والندم حزن على كل حال يشتد بقدر الخطأ ويعظم بعظم الفعل. والحسرة حزن ينبعث في النفس على فوات مرغوب أو ذهاب محبوب. كم حزن آدم عليه السلام عند خروجه من الجنة مع العلم بأن الله لم يخلقه للبقاء فيها، ومن أول وهلة أخبر الملائكة بخلق آدم لم يقل لهم إني جاعل في الجنة خليفة بل قال: (إن جاعل في الأرض خليفة).
لماذا لم ينزل الله آدم فور خلقه إياه إلى الأرض؟ ولماذا قدر الله على آدم أن يحزن على هذه الجنة ويبكي حنيناً للرجوع إليها؟
ويتنزل القرآن على قلب سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، يعرض فيه أحزان الأنبياء ومعاناة الصالحين وبلاءات المؤمنين. ولم يتوقف سياق الحزن عند أهل الإيمان، بل أخذ يصف أحزان المشركين، فكم مرّ بأقوام عذاب واحتناك رباني استأصل جذورهم. وكم وصف القرآن مواقف الظالمين والكافرين يوم القيامة كأشد ما يكون الحزن والندم في يوم سماه الله يوم الحسرة، ويوم التغابن.
ووصف الناس في ذلك اليوم بوصف يملأ النفس رعباً ويغشيها حزناً وبكاء. أليس يفر المرء من أمه وأبيه وزوجته وبنيه وأخيه وفصيلته؟ أليس ينقطع النسب وتنفك الصلة وتتقطع وشائج الأرحام؟ (ونفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون).
وتأتي قصة الحزن في كتاب الله تترا متتابعة متكررة. فمن حزن آدم إلى حزن نوح إلى معاناة هود وصالح، وإبراهيم وإسماعيل وهاجر ويعقوب ويوسف وأيوب ويونس وزكريا ومريم وعيسى، عليهم الصلاة والسلام، وأصحاب الكهف، ليس إلى هنا فحسب، بل يصف القرآن حزن الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، عندما يحزن على قومه وعلى أصحابه وعلى أمور مرت في حياته فيقول له الله: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا). ويقول مسلياً لنبيه (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون)، ويقول سبحانه: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون). ولما قتل أصحابه في أحد وأصيب الجيش قال الله لنبيه، عليه الصلاة والسلام: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين) وقال سبحانه: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ..- إلى أن قال عز وجل _ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وقال في آخر السياق: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا...).
ويتحدث القرآن عن أحزان الصحابة، كالثلاثة الذين خلفوا، وعن الذين أرادوا أن يحملهم إلى الجهاد في غزوة تبوك فلم يجد لهم ظهراً (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون).
وتلك المرأة المجادلة التي تجادل النبي، صلى الله عليه وسلم، في زوجها قال الله: (وتشتكي إلى الله). وغير ذلك من الأحزان التي كانت تمّر في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه.
الحزن هو حركة نفسية إثر موقف أو حدث من الأحداث. وهو نوع من أنواع التعبيرات الداخلية الغالبة على الظاهر، والمعبرة عن نوع الحركة، سواء كانت غضباً أو خوفاً أو امتعاضاً أو اعتراضاً أو كراهية أو محبة أو حزناً أو غير ذلك. إن الحزن في أصله اعتراض الإرادة بحركة اللاإرادة، ليس اعتراضاً يلام عليه صاحبه، لأنه تعبير عن عدم الرغبة في وقوع أمرٍ ما. والابتلاء هنا يأتي دائماً معاكساً للرغبة وإرادة النفس ومحابها، فلا ملامة على حزين ما دام يضبط حزنه بضوابط الحق الإرادية كالإيمان بالقدر والتسليم لله بما قضى والرجاء لما عنده من ثواب على هذا الحزن وبواعثه، والامتناع عن التسخط على الله، أو الاعتراض عليه فيما أراد سبحانه.
لماذا قضى الله تعالى بوقوع الحزن على أوليائه وأعدائه؟
أما من حيث الولاية والعداوة فالحزن للأنبياء والمؤمنين بلاءٌ وتمحيص وتأديب وتنبيه. أما الحزن لأعداء الله فهو انتقام وتضييق وإلجاء إلى التوبة والإيمان في مواقف قرآنية معروفة، وهذه الإشارة معروفة عند المتأملين في القرآن من أهل العلم والتفسير والوعظ والترقيق.
ولكن للحزن مقصداً نفسياً يظهر ويختفي أثناء الحوادث التي يذكرها القرآن. فالحزن الذي وقع فيه آدم عليه السلام كان مقصداً ربانياً، والبكاء على الخطيئة نوع من استفزاز العبودية في آدم وبنيه، والحزن يستثير في آدم اليقظة، والبقاء على قدم الندم والخوف من مواقعة خطيئة أخرى، لأن آدم عليه السلام هو كيان الإنسان الأكبر الذي تمثلت فيه صفات الإنسانية كلها، لذلك لا بد أن يخطئ لتكتمل فيه أوصاف بنيه، فهو نبي ونساء، ونادم وتوّاب، وضعيف ومحزون وفرح وغير ذلك.
وفي حزن نوح على ولده وحزن يعقوب على يوسف والأنبياء على أقوامهم إبداءٌ لحقيقة الإنسانية فيهم وإخبارهم أن النبوة لم تمنعهم عن سيطرة الحزن عليهم، وكشف ضعفهم البشري، ولو لا اصطفاء الله لهم وعصمته إياهم لضعفوا عن تلقي النبوة، كما ضعفوا عند دفع الأحزان عنهم، وهذه الإشارة يزداد بها النبي ارتماءً على عتبات مولاه سبحانه لإدراكه نعمة الاصطفاء من غير سابقة.
ويأتي الحزن ليقمع النفس الإنسانية عن الاستغراق في حياة الترف والركون إلى طول المدة ونسيان الله، ليجعلها على حذر دائم واستعداد واصب.
والحزن فيه توازن نفسي عجيب، فإذا دخلته النفس ومرّت إلى منتهاه خرجت أرق مما كانت عليه وأعذب بعد مرارة تعتريها، وأهدأ بعد طيش يزجيها. فكل فرح يعقب الحزن يأتي منغصاً أو متوازناً لتكون الفرحةُ في عين صاحبها موكولة بالعقل لا بالعاطفة التي تختطف الإنسان وتبالغ في اختطافه.
وفي الحزن علاج لآفات النفس من شوائب لا تخرج من بعض بني آدم إلا به. فالجبان والطائش والبخيل والمسرف والفاجر والتقي وأمثال هذه الأوصاف، تجد الحزن يقيم معها تحدياً فتهتز وتنوء به مما يؤدي إلى تغير النسب التي كانت عليها هذه الصفات، فقد يسخو البخيل ويجرؤ الجبان، ويجبن الشجاع، ويبخل المسرف، ويهتدي الفاجر، ويضل التقي وكل ذلك بأمر الله عز وجل. ولذلك يقول عز وجل: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب).
لقد كان القرآن ينزل على الحبيب الأعظم، صلى الله عليه وسلم، ليسليه ويثبت قلبه ويذهب الحزن عنه، فإن من يرى أحزان الآخرين يخف عنه حزنه. فاقرؤوا أحزان القرآن، عسى أن تجد قلوباً تخفق وأعيناً تستعبر ونفوساً ترق، وعقولا تطلب العافية وتعرف قيمة الإنعام.