يبتهج الناس في أي مدينة حول العالم عندما تضخ دولهم أموالا نحو مدينتهم لإقامة مشاريع تنموية بها، نتيجة انعكاس ذلك على المدينة وأهلها.
هذا الحال لا ينطبق كثيرا على المدينة المنورة وأهلها، التي أعلن في سبتمبر الماضي عن مخطط وحدود مشروع التوسعة الكبرى للحرم النبوي الشريف فيها، حيث ظهرت أصوات قوية من شرائح مختلفة من المجتمع شملت مهندسين ومخططين واقتصاديين ورجل الشارع البسيط، يدعون إلى التريث وإعادة دراسة المشروع ويحذرون من آثاره العمرانية والاقتصادية والاجتماعية على المدى القصير والطويل.
في المقابل ظهرت أصوات أخرى تنادي بالاستمرار في المشروع والإسراع بإنجازه خدمة للإسلام وتوسعة على المسلمين، وتسهيلا لهم بتوسعة الحرم، وإزالة أحياء الفقراء واستبدالها بالفنادق الفخمة وإعادة التنظيم بشكل حديث، وهؤلاء لهم مبرراتهم الواضحة والنبيلة وهي ليست في حاجة لمزيد توضيح، لكن ما هي مبررات القسم الأول الذي يبدو كأنه ضد التوسعة على المسلمين وتطوير مدينتهم؟
من الضروري بداية معرفة أن مساحة المنطقة التي سيتم نزع الأملاك داخلها تفوق 15 مليون متر مربع، خصص منها لتوسعة الحرم النبوي الشريف وساحاته ما نسبته 8% من هذه المساحة، عليه فمن الخطأ تسمية المشروع بـ «توسعة الحرم» وسنطلق عليه من الآن «مشروع إعادة تخطيط المدينة» من مبدأ تسمية الأشياء بمسمياتها.
هل المهندسون والمخططون سعداء بالمشروع؟
هناك كلمة سحرية لدى المهندسين والمخططين في المدن الحديثة وهي «المخطط الشامل للمدن» وهو بمثابة الدستور في تنمية المدن، ويتم إنجازه عبر عدة محاور تبعا للخطط التنموية للدولة وتبعا لتطلعات المجتمع، وهو خارطة الطريق التي ترسم استراتيجيات التنمية لأي مدينة على المدى الطويل ولما يصل إلى خمسين عاما من خلال تحديد استخدامات الأراضي والتوسع في البنى التحتية والنقل ومدى الحاجة إلى الإسكان والصحة والتعليم والترفيه.
وتكمن الأهمية البالغة للمخطط الإرشادي لأجهزة الدولة وللإنسان العادي في النقاط التالية:
- يعتبر المخطط الإرشادي دليلا لأجهزة الدولة -كل على حدة- للتخطيط المبكر والعمل ضمن أطره ووفق مخرجاته لتحقيق تنمية متناغمة بتزامن وتنسيق فيما بين هذه الأجهزة توفيرا للوقت والمال.
- تفادي النمو المتناثر للمدن وتحديد النطاق العمراني وتحديد استخدامات الأراضي (سكني، تجاري، زراعي، صناعي، الخ) منعا للتكدس السكاني بها وتوزيعا للمرافق العامة والبنى التحتية فيها بشكل جيد.
- الشفافية في التنمية بحيث يعلم الجميع بالخطط التنموية للدولة في مدينتهم، الأحياء والطرق المستقبلية ومناطق التوسع المستقبلي تحقيقا لمبدأ تساوي الفرص للجميع بدون محاولة إخفائها من أحد.
- رسم ملامح التطوير وفق الهوية السائدة للمدينة والتي تراكمت عبر السنين من الخلفيات الدينية والعرقية والثقافية للمجتمع، فباريس وروما وإسطنبول مثلا لها هوياتها المميزة والمختلفة فيما بينها، والمدينة المنورة كذلك.
نعود إلى موضوعنا، في العام 2008 صدر الأمر السامي الكريم بالبدء بإعداد المخطط الشامل للمدينة المنورة، أنجزت هيئة تطوير المدينة هذا المخطط عام 2012 وأعلنت نتائجه بعد سنوات من العمل الذي تم عبر تحالف من شركات دولية تقوده شركة ام ام ام جروب انترنشيونال، وكانت أهم مخرجاته تلك التوصيات المتعلقة بتوسعة الحرم النبوي ودور المناطق النبوية والتاريخية والفراغات المفتوحة في التنمية المستقبلية للمدينة.
من البديهي أن تكون الطاقة الاستيعابية للحرم النبوي مستقبلا هي الأساس الذي يؤثر على كل المخرجات الأخرى، لذلك جاء المخطط الشامل بالتوصية برفعها لتصل إلى 1,2 مليون مصل عام 2040، إلا أن الإعلان المذكور عن المشروع يظهر استيعابه لما يصل إلى خمسة ملايين مصل في غضون سنوات قليلة وهذا يعني:
- ضرب المخطط الإرشادي ومخرجاته، فجميع السيناريوهات التي تم وضعها لم تعد تنطبق على المدينة وتخطيطها الجديد وأصبح منتجا عديم الفائدة تماما ضاع معه جهد المخططين.
- دخول المدينة في مرحلة لا يملك أحد تصورا واضحا لنهايتها ولا يمكن خلالها لأي جهاز حكومي التخطيط للمستقبل.
- عدم تنسيق العمل بين الأجهزة الحكومية، فهذه شركات الكهرباء والمياه والبلديات تنفذ مشاريع إلى يومنا هذا داخل أحياء تقع داخل نطاق المشروع .
- العودة إلى احتكار المعلومة، فلا أحد يعلم عن المناطق المستهدفة للتمدد المستقبلي ولا مواقع شبكات الطرق الجديدة.
- العودة إلى التنمية بدون ضوابط عمرانية محددة، مما يسبب المزيد من الأفول لهوية البيئة العمرانية المشوهة أصلا في المدينة والتي كان يعول على المخطط الإرشادي في إعادة صياغتها.
وهناك أمر آخر، فالجهة الموكل إليها تطوير المدينة والإشراف على تنميتها هي هيئة تطوير المدينة المنورة وهي التي تأسست بأمر ملكي عام 1431هـ ويرأسها أمير المدينة المنورة، وهي الجهة التي أعدت المخطط الشامل للمدينة سابقا، لم يعد لهذه الهيئة أي دور في المشروع وينطبق الحال على أمانة المدينة المنورة، ومن يشرف وينفذ ويدير ويعلن عن المشروع هي وزارة المالية.
عدم التخطيط هو عدو المهندسين لأنه يمنعهم من أداء عملهم بشكل جيد، ولهذه الأسباب فالمهندسون غير سعداء على الإطلاق بهذا المشروع، وإعادة رسم البسمة على شفاه هؤلاء الأبرياء تتطلب البعد عن الاجتهادات والعمل على دراسة وإعلان جميع التأثيرات التخطيطية والعمرانية والاقتصادية للمشروع قبل البدء بالعمل أو حتى نزع الملكيات.
رؤية هندسية لتوسعة الحرم النبوي الشريف
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
