لا تخلو دولة من التعرض للأزمات، وكل المجتمعات تتعرض لأزمة بين الحين والآخر، وهذا الأمر طبيعي، فمع زيادة عدد السكان وتعدد الإيدلوجيات والمكان الجغرافي والعلاقات الدولية تزداد نسبة حدوث الأزمة.
التعرض للأزمات أمر طبيعي ولعل التاريخ والحاضر يشهد بكثير منها، وهذا الأمر جعل الكثير من الدول المتقدمة تعالج ما تمر به من أزمات عن طريق أجهزة متخصصة، وتحول دون تفاقم الإشكالات الداخلية والخارجية التي قد تمر بها من خلال إيجاد لغة واضحة للتفاهم مع جمهورها وكسب ثقته والحرص دائماً على جذبه لتحقيق أهدافها، وبناء علاقات جيدة مع الآخر، ووضع الخطط والبرامج التي تحقق كل هذه الأهداف.
في الولايات المتحدة الأمريكية وهي الرائدة في هذا الأمر نجد أنها اهتمت ببناء جهاز للعلاقات العامة كإدارة عليا لتخطيط وتنفيذ أهداف مشروعها العالمي سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، ولعل إدارة الأزمات من أهم أعمال هذه الإدارة، فالأزمة عندما تبدأ وتتفاقم وتسيطر بدون وضع حلول مسبقة لها أو معالجتها بشكل سريع قد تؤدي إلى كارثة لا يمكن السيطرة عليها، والأزمة الاقتصادية القاسية التي مرت بها الولايات المتحدة خير دليل، فقد تمت معالجتها قبل أن يتصدع النسيج الأمريكي (بغض النظر عن نوع المعالجة وتأثيرها على دول أخرى). التنبؤ بالأزمة واقتراح الحلول لها قبل حدوثها أمر بالغ الأهمية، ولهذا فجهاز العلاقات العامة أصبح اليوم من أهم إدارات الحكومات حيث يشارك في صنع القرار الداخلي والخارجي للحفاظ على سلامة الكيان وعلاج ما قد يصيبه من أزمات.
في عالمنا العربي هناك اجتهادات متواضعة مشتتة لأجهزة العلاقات العامة، فلا يوجد جهاز واضح متخصص يقوده مؤهلون مهمته المشاركة في صنع القرار، ويدير الأزمات عند حدوثها، كل ما نجده في عالمنا العربي مجموعة من الاجتهادات الشخصية التي لم تبن على واقع ملموس، ويعود ذلك إلى عدم اقتناع أصحاب القرار بوجود جهاز متخصص للعلاقات العامة وإدارة الأزمات وعدم الإدراك بأهمية هذا الجهاز.
الإدارات العليا للعلاقات العامة تقوم بدور خطير وأساسي في الاتصال بين القيادة والأجهزة الأخرى من جهة كتنسيق لتنفيذ الخطط والاستراتيجيات، وكذلك الوصل بين القيادة والمجتمع لكسب الثقة وسد الثغرات التي قد تؤدي إلى أزمات مستقبلاً، و ما شهده العالم العربي في السنوات الفائتة خير دليل على عدم وجود إدارات عليا متخصصة في العلاقات العامة ترتبط بالقيادة بشكل مباشر، فبغض النظر عن سياسات الدول المجاورة نرى أنها لم تستطيع حلّ الأزمات الداخلية التي مرّت بها نتيجة عدم فهم القيادة لواقع الشارع، كانت هناك فجوة عميقة بين الشارع والقيادة أدت إلى هذا التدهور الداخلي، وما حدث أمر طبيعي لا غرابة فيه، فكلما كانت القيادة بعيدة عن واقع الشارع كانت حلول الأزمة أبعد عن متطلبات ذلك الشارع، ولهذا أجهزة العلاقات العامة العليا في الدول المتقدمة تحتل هرم الإدارات، ونجدها دولا مستقرة داخلياً وخارجياً حتى لو تعرضت لأزمة فإن حلولها متوفرة وجاهزة للقضاء عليها.
القرارات الفردية غير المدروسة لحل الأزمة قد تؤدي إلى كارثة أكبر إذا لم يضع المسؤول يده مباشرة على الجرح، وكيف له أن يلمس هم الشارع دون وجود قناة اتصال متخصصة تنقل له الصورة كاملة وتضع له مقترحاتها من الحلول الواقعية التي تنهي الأزمة.
أجهزة العلاقات العامة العليا وإدارة الأزمات أصبحت اليوم مطلباً ضرورياً للتخفيف من حدة التوتر بين القيادة والشعب، فعن طريق ملامستها للشارع بشكل مباشر واتصالها بالأجهزة الأخرى والقيادة ووضع الاستراتيجيات والخطط والأهداف ومتابعتها ستحول دون تفاقم الأزمات وستكون بمثابة الدرع الواقي.
سياسة الدول في إدارة الأزمات
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
