في السبعينيات من القرن الماضي حرك نجاح الشركات اليابانية وتفوقها على الشركات الأمريكية والأوروبية علماء الإدارة الغربيين إلى دراسة الثقافة، في محاولة لمعرفة مدي تأثيرها في نجاح الشركات اليابانية، وصدرت وقتها أربع من أشهر كتب الإدارة في هذا المجال «نظرية z»، «فن الإدارة اليابانية»، «ثقافة المنظمة»، «البحث عن الامتياز»، حاولت هذه الكتب تحديد أسباب ضعف أداء الشركات الأمريكية، وتحليل أسباب نجاح الشركات اليابانية واكتساحها للأسواق، وقدمت وصفة عملية وعلمية لمساعدة رجال الأعمال الأمريكيين لمواجهة تزايد المنافسة اليابانية.
وأرجعت هذه الدراسات التفوق الياباني إلى القيم الثقافية السائدة التي تشكل في مجملها الثقافة المحلية اليابانية، وأن هذه القيم لعبت دوراً كبيراً في تشكيل وتكوين ثقافة الشركات في اليابان، والتي أصبحت تعرف فيما بعد «بالثقافة التنظيمية»، وأكدت الدراسات أن هذه القيم تمنح الشركات مزايا تنافسية، وتساعد في تحسين أدائها، وأن الفشل في إدارة المشاريع يرجع إلى عجز المديرين في مواءمة أو أقلمة سلوك المشروعات لقواعد ومعايير الثقافة السائدة، التي ترتبط بمجموعة من المبادئ الأساسية يتم ابتكارها وتطويرها بواسطة جماعة معينة للتعايش والتكيف مع مشاكل بيئتها الخارجية، ومحاولة إيجاد نوع من الاندماج الفعال داخلياً، شريطة أن تثبت صحتها، وتنقل للأعضاء الجدد على أنها الطريق الصحيح لفهم مشاكل التنظيم.
وعند تطبيق معايير وخصائص المنظمات الناجحة التي تتمثل في سرعة الإنجاز، والاقتراب من العميل، الإدارة الذاتية، وتحقيق الإنتاجية من خلال العاملين، والالتزام بالخط الأصلي للنشاط، تنظيم بسيط وعدد قليل من الإداريين، والمرونة والانضباط على الشركات والمؤسسات السعودية، إلى جانب عوامل أخرى مثل الإبداع، والابتكار نكتشف أن هذه المعايير لا تنطبق إلا على عدد قليل جداً من الشركات أو المنظمات العاملة في السوق السعودية، هذه الشركات وحدها من يستطيع الصمود في مواجهة المنافسة الشديدة، والتوافق مع متطلبات المرحلة القادمة، وعلى الشركات الأخرى إعادة حساباتها، والالتزام بهذه المعايير إن أردت البقاء والمنافسة، وهي حقيقة صادمة لدولةٍ تحاول الصعود إلى مصاف الدول المتقدمة، بتنويع اقتصادها.
ووفقاً لهذه الرؤية، فإن دور القيم التي تشكل الثقافة المحلية (الوطنية)، والتي تعمل كمحرك ومحفز لنجاح الشركات السعودية أو المؤسسات العامة معطل أو غائب، دون أن يُعرف أيهما الذي عطل الآخر، ثقافة المجتمع أم ثقافة الشركات؟، وفي كل الأحوال فإن غياب دور قيم الإنتاجية، والإبداع، والابتكار، والإخلاص وتعزيرها من قاموس الثقافة الوطنية حجر عثرة في طريق النجاح والمنافسة، ويقود إلى صعوبات إدارية ومالية، ومشاكل تؤثر بشكل كبير على أداء الشركات، وتعثر كثيراً من الشركات والمشروعات ينم عن عدم وجود لهذه القيم في المجتمع أصلاً، نتيجة لخلل في الثقافة السائدة في المجتمع، وبالتالي أصبحت غير محفزة للنجاح، وأدت إلى نشوء ثقافات فرعية مضادة داخل الشركات ساهمت في تعثر الشركات وضعف أدائها، وانسحابها من السوق في بعض الحالات.
فيما يمثل عدم وعي من قبل الشركات والمؤسسات لدور القيم الوطنية في ثقافة الشركات، وعدم قدرتها على توظيف القيم الوطنية -في حال وجودها- بالشكل الصحيح الذي يخدم أهدافها وأهداف المجتمع الجانب الآخر من هذا الفشل، ولكي تكون الصورة إيلاماً لواقع العلاقة بين ثقافة المجتمع أو ثقافة الشركات، علينا ملاحظة وربط ممارسات الشركات السعودية وممارسات المجتمع السلوكية بواقعهما، لنكشف حجم ذلك التنافر، وعدم الانسجام بين قيم كلا الطرفين، ويظهر جلياً في انعدام الثقة، والجشع، وعدم الانضباط، مما يعني غياب المبادئ والقيم الأساسية.
واقع هذه العلاقة بصيغتها الحالية يؤكد أن ثقافة المجتمع والشركات بحاجة إلى تغيير أو على أقل الأحوال إصلاح، كي يستطيع كل منهما استيعاب الآخر، ويلعب كل طرف دور المحرك للطرف الآخر، والتكامل معه، ولكي يؤتي هذا التغيير ثماره يجب أن يشمل التغيير جميع مكونات المجتمع التي تسهم في بناء الثقافة الوطنية بدءاً من المدرسة، والبيت مروراً بالمسجد، والشارع، وكل ماله علاقة بصناعة الأجيال المقدمة شريطة أن تركز على قيم الانضباط، والابتكار، وإعادة تأهيل الشركات للاستفادة من هذه القيم وتوظيفها واستيعابها -إن أردن البقاء والمنافسة- ولا يمنع ذلك من الاستفادة من تجارب الدول التي حققت نجاحاً في قيم الانضباط والابتكار كاليابان وكوريا الجنوبية.
أيهما عطل الآخر.. ثقافة المجتمع أم ثقافة الشركات؟!
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
