الأسرة لبنة أساسية ومهمة في بناء المجتمع، فالأسرة الفاضلة أساس المجتمع الفاضل، ولكي يتأتى ذلك لا بد له من أن يؤسس على أسس قوية وسليمة تنطلق من التنشئة والقيم التربوية السليمة التي ينبغي غرسها في نفوس الأبناء، ومن ذلك بطبيعة الحال العمل على تكوين شخصيات الأبناء بما يتفق ودورهم الأسري المستقبلي، وقدرتهم على تحمل المسؤولية والقيام بالواجبات المطلوب منهم القيام بها في إطار أسرهم المستقبلية المتوقعة.
فالمتأمل في واقع المجتمع لدينا يجد أن الشاب أو الفتاة يقدمان على الزواج في الغالب ليس برغبة الاستقرار وبناء الأسرة، بل بدافع جنسي صرف فما أن ينتهي شهر العسل وتبدأ الرغبة الجنسية بالتراجع عند كلا الطرفين حتى تبدأ مرحلة اكتشاف كل منهما لشخصية صاحبه، فيبدأ حينئذ التقييم وطرح الأسئلة، هل هي من سأعيش معها بقية عمري؟ وهل هو من سأقضي بصحبته بقية حياتي؟ أيعقل أن يكون أو تكون بهذه السطحية؟ وهكذا سؤال يجر سؤالا آخر والإجابة مبهمة، فتكبر التساؤلات ويبدأ معها كل طرف بتصيد أخطاء صاحبه. فيرى الخطأ الصغير غير المقصود زلة لا تغتفر فتكبر المشاكل وتتصاعد فما يلبث أن يقع الطلاق، ولو أن الأسرة اهتمت بهذا الجانب وعملت على تقوية البناء النفسي والشخصي لأبنائها من خلال تعليم الفتاة متى تكون زوجة، ومتى تكون أنثى، ومتى تكون أما، ومتى تكون ربة منزل؟ وكذلك الحال بالنسبة للشاب متى يكون زوجا، ومتى يكون رجلا، ومتى يكون أبا، ومتى يكون رب أسرة؟
وبدون شك فإن غياب هذا الدور المهم من قبل كثير من الأسر أفرز لنا واقعا يعج بظواهر غريبة لم تكن معروفة من قبل بهذا الحجم رغم وجودها في حياة المجتمع، ففي كل سنة تفاجئنا الصحف بإحصائية مخيفة عن حالات الطلاق التي تشهدها المحاكم السعودية، فبالأمس القريب نشرت الزميلة (صحيفة الوطن) في عددها رقم (4911) الصادر بتاريخ (10/5/1435هـ) إحصائية ذكرت فيها أن صكوك (فسخ النكاح) الصادرة من المحاكم السعودية خلال الثلاث سنوات الأخيرة بلغت (8952) صكا لسعوديين ومقيمين، إذ بلغت عدد حالات الفسخ للسعوديين (8746) حالة، هذا فيما يتعلق بحالات الفسخ، إذ إن الفسخ في الطلاق لا يكون إلا بناء على حكم قضائي لأسباب يرى القاضي معها استحالة استمرار العلاقة الزوجية بين الزوجين.
أما بشأن حالات الطلاق بشكل عام والتي وصلت وانتهت فعليا في المحاكم خلال العام الماضي فقد بلغت أرقاما مهولة إذ أكدت الإحصائيات التي رصدتها وزارة العدل في كتابها الإحصائي الـ(37) أن إجمالي صكوك الطلاق والخلع والفسخ المثبتة في محاكم المملكة بلغت 34490 صكا بمعدل 96 صكا يومياً، منها 30030 حالة طلاق بنسبة 87٪، و1135 حالة خلع بنسبة 3٪، و3325 حالة فسخ نكاح بنسبة 10٪ من إجمالي الطلاق! وبطبيعة الحال فإن أسباب حدوث الطلاق متعددة ومتغيرة من حالة إلى أخرى ولكن المؤكد أن ثمة أسبابا خاصة يشترك فيها الجميع تعود إلى طبيعة الثقافة والأعراف السائدة في المجتمع.
وهذه الإحصائيات من واقع سجلات الجهات القضائية فقط إذ أن هناك حالات أخرى كثيرة لم تسجل سواء تلك التي انتهت بشكل ودي بين الأطراف أو بسبب تدخل الأهل وبعض الأقارب، أو تلك التي ما زلت تتداول في المحاكم، ناهيك عن حالات أخرى لنساء معلقات. والغريب في هذا الأمر أن بعض حالات الطلاق تمت لأسباب ليست تافهة فحسب بل إنها أقل من ذلك.
وفي ظل هذا الواقع ماذا ننتظر؟ وكيف نتعامل مع هذه الإحصائيات المؤلمة؟ هل نكتفي بدور المتفرج المتباكي؟ أم نلوم الشباب على فشل تجاربهم في الزواج؟ أم نلوم المجتمع على عدم تفهمه لواقعهم ومعايشته لأحلامهم وتطلعاتهم الحياتية؟ أم نلقي باللائمة على خصوصيتنا وما نزعم بأننا نعيشه من أفضلية بين الشعوب؟ وهل يمكن لنا أن نعمل على أن يعلم أبناؤنا الشر ليس للشر ذاته بل ليعلموه فيجتنبوه؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات طويلة ولن تكون الإجابة شافية ما لم يواكبها عمل جماعي متقن ينطلق من الأسرة أولا ثم المدرسة فالجامعة وصولا إلى المجتمع بعمومه، لنعمل جميعا على إيجاد ثقافة تسهم في إنتاج واقع جديد يكون أساسا لبناء أسرة ناجحة فاضلة تكون لبنة قوية في بناء اجتماعي قوي.
ماذا ننتظر؟
بخيت آل غباش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
