إذا أردت أن تعرف اليوم رأي الرئيس الأمريكي باراك أوباما في موضوع ما، فيكفي أن تطلع على مقال توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز”، وديفيد إغناتيوس في “واشنطن بوست”.
أما إذا أردت أن تعرف ما يدور داخل عقل أوباما، فحاول أن تقتني أحدث كتاب يقرأه. فالشغف الأمريكي بما يقرأه الرؤساء، كامن في بنية الثقافة الأمريكية، حيث تعد الكتب الأداة المعرفية الأساسية لجميع الرؤساء الأمريكيين.
ويمكن وصف الشعب الأمريكي بأنه شعب قارئ بامتياز، وهو يسعى دائما للتعرف على الكتب التي ساعدت رؤساء أمريكا في تشكيل سياستهم العامة خلال فترات رئاستهم.

شغف وتسويق

هذا الشغف بالقراءة عند الأمريكيين له علاقة مباشرة بالعناوين التسويقية الجذابة مثل “الأفضل مبيعا” و”الأكثر توزيعا”، وهي مادة معتادة في الصحف والمجلات الأمريكية الشهيرة، فضلا عن مواقع الكتب على شبكة الانترنت لا سيما “أمازون”.
وقد ينجح أحد المصورين الصحفيين في التقاط صورة غلاف كتاب يمسك به الرئيس وهو يصعد على سلم الطائرة، أو وهو جالس في الغرفة البيضاوية، ومن ثم تدور عجلات المطابع محملة بعشرات التحليلات السياسية والاقتصادية عن مدى تأثير مؤلف هذا الكتاب على سياسات الرئيس.

أوباما الأكاديمي

وأوباما كأكاديمي مثقف، ألف كتابين مهمين وصلا إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا، هما “أحلام من أبي” و”جرأة الأمل”.
وقد ساهم بنفسه في الدعاية للعديد من المؤلفين وكتبهم التي يقرأها أثناء فترتي ولايته، مثل كتاب “المئة يوم الأولى للرئيس روزفلت” و”لنكلون: قصة حياة كاتب” و”عالم ما بعد نهاية أمريكا” (The Post American World) للمنظر السياسي فريد زكريا، وهو مسلم من أصول هندية ويعمل محررا في “نيوزويك” ومحللا في شبكة “سي إن إن” الإخبارية.

السياسة الخارجية

وما يهم شعوب المنطقة في المقام الأول، هو التعرف على أهم الكتاب المؤثرين على سياسة أوباما الخارجية، وهي مسألة ليست سهلة، لأن أوباما يجمع في جوفه مجموعة “متناقضة” من القيم السياسية، وهي تتضح كالآتي:

أوباما المسالم

1- ينتمي أوباما إلى اتجاه سياسي يميل إلى السلم، ويواصل تقليداً مارسه كثير من رؤساء أمريكا في الحوار المباشر مع الخصوم دون اللجوء للحرب، وتهديد الأمن القومي الأمريكي.
ففي عام 1933 تفاوض الرئيس تيودور روزفلت مع وزير خارجية الاتحاد السوفييتي مكسيم ليتفينوف.
وفي عام 1959 دعا الرئيس إيزنهاور نيكيتا خروشوف لزيارة أمريكا.
وفي الستينات قرر الرئيس نيكسون بدء الحوار مع الصين والتقى ماو في عام 1971.
وهو ما فعله أوباما – تقريبا - في معظم الأزمات الدولية من تفاوض حول الملف النووي الإيراني مرورا بالحل السياسي للأزمة السورية وانتهاء بالأزمة الأوكرانية ومشكلة القرم.
وهو من القادة القلائل الذين سعوا للحد من صلاحياتهم وسلطاتهم الذاتية.
وإرثه التاريخي يتمثل في كونه الرئيس الذي أنهى حروب أمريكا في الخارج وجعل من البدء في حروب أخرى أمراً أكثر صعوبة.
وبدلا من ذلك قام بإعادة استثمار موارد أمريكا ضمن نطاق شعبها.
فقد عارض الحرب على العراق عام 2003، ووعد عام 2008 بإنهاء الحرب – غير المحددة - على الإرهاب.

القوة والعزلة

2- يسير أوباما في الوقت نفسه، على الخط الذي اتبعه كبار الرؤساء الأمريكيين من أصل ديمقراطي، وهم ولسون وروزفلت في فترة الحربين، ثم ترومان وكيندي بعد الحرب العالمية الثانية.
وهم جميعاً آمنوا بأن قوة أمريكا لا تأتي من عزلتها الدولية، إنما من انفتاحها، ودعمها لقيم الحرية والديمقراطية في العالم.


.. ويتبنى رؤية كيري للعالم العربي

تقلب الرئيس الأمريكي باراك أوباما من النقيض إلى النقيض، بالنسبة لمسألة الديموقراطية في العالم العربي، حين أخذ بنصيحة أستاذه وزير خارجيته جون كيري، وهو أيضا المرشح الديموقراطي الأسبق الذي خسر انتخابات الرئاسة عام 2004 أمام منافسه الجمهوري جورج بوش الابن وقتئذ.
وقد أجمل كيري فلسفته السياسية في كتاب صدر عام 2003 بعنوان: «نداء الخدمة (الواجب): رؤيتي من أجل أمريكا أفضل»، الصادر عن دار فايكنج - نيويورك.
وجاء فيه: لا توجد أنظمة ديموقراطية في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، ومعظم الدول تخضع لأنظمة متشددة أو قسرية الطابع، فضلا عن الفقر، والجهل، والأمية.
فنسبة الأمية مرتفعة جداً في العالم العربي، وبخاصة في أوساط النساء اللواتي لا يساهمن إلا قليلا في الحياة العامة.
أما برامج التعليم الدراسية فلا تزال متخلفة ومليئة بالأفكار العنصرية أو الطائفية التي تكره أبناء الديانات الأخري كرها شديدا، وبالتالي يلزمها تغيير وتجديد لكي تنفتح على العصر والحداثة ولكي تعترف بوجود ثقافات وأديان أخرى في هذا العالم، إضافة إلى الثقافة العربية الإسلامية.
فالعالم يتسع لجميع الأديان والثقافات إذا ما وسعنا عقولنا جيداً وفهمنا الدين على حقيقته: أي كمصدر للتعايش والتآخي بين البشر.
ويربط كيري بين غياب الديموقراطية العربية وبين العامل الاقتصادي، فيرى أن تخلف العالمين العربي والإسلامي من هذه الناحية ساهم أيضا في تشجيع قوى التطرف والتشدد.
فالعالم الإسلامي الذي يصل تعداد سكانه حالياً إلى أكثر من مليار نسمة أي ربع سكان الكرة الأرضية تقريباً، لا يمثل في الاقتصاد العالمي أكثر من 4 %، وهذا شيء غير مقبول وغير معقول.
فشرائح البؤس والفقر منتشرة في النطاق الإسلامي أكثر من أي نطاق.
لهذا السبب لا ينبغي أن يدهشنا نمو حركات التطرف، فالتطرف لا يتزايد ولا ينتشر إلا في ظل الأزمات الاقتصادية وانسداد الآفاق.
وهذا ما حصل في ألمانيا النازية أثناء صعود هتلر إلى سدة السلطة.
فلو لا الفقر والجوع والبطالة لما استطاع شخص كهتلر أن يصل الى القمة.
خلاصة الأمر، أن هذا التأرجح والتردد لسياسات أوباما بين التقليدين الأمريكيين المتناقضين ظهرا واضحين في دعمه – غير الكامل - لثورات ما يعرف بالربيع العربي في تونس ومصر منذ العام 2011، ناهيك عن مواقفه المتباينة من الأزمة السورية التي كادت تتسبب في كارثة إنسانية في المنطقة لولا حكمة القادة في الخليج العربي الذين تداركوا بسرعة خطورة الموقف بعد ضياع المجداف وسط الأنواء العاصفة.


.. ومندلبوم يوحي إليه بسياسة اللامعادلة

يبدو أن الكاتب الأثير عند الرئيس باراك أوباما هو مايكل مندلبوم، أستاذ السياسة الخارجية الأمريكية في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، وهو أحد أهم الثقات في بيوت التفكير ومراكز الدراسات والأبحاث والميديا في العالم، وهو أهم من كثف كتاباته حول أن الولايات المتحدة لم تعد بمقدورها أن تتحمل التكاليف الاقتصادية الباهظة للحروب الخارجية، خاصة أن الدخول في حرب جديدة قد يكون سهلا، أما الخروج منها فهو من أصعب الأمور.
وحذر مندلبوم أوباما بشدة من خطر الوقوف على حافة الحروب، ويقول: إن السعي إلى فض اشتباك بين شخصين أمر، ومحاولة فض الاشتباك في مظاهرة أمر آخر، ففي الحالة الأخيرة يجرفك التيار إلى قلب المظاهرة، ولذلك يتعين على الولايات المتحدة أن تدقق في هذا السؤال: هل ما يجري في أي حرب خارجية مجرد اشتباك يمكن فضه بالتدخل، أم إنها مظاهرة عارمة يتعين إحاطتها بسور والانتظار حتى تستنفد قوتها؟المتابع لكتابات مندلبوم سيكتشف بسهولة تأثيره البالغ على سياسات أوباما، بل وتقلباته وانعراجاته الفكرية.
في كتابه “القوة العظمى المقتصدة: قيادة أمريكا العالمية في عصر الضائقة المالية”، يقول مندلبوم: الشعار الذي اعتمدته أمريكا في الشؤون الخارجية والسياسة الداخلية طوال العقود السبعة الأخيرة كان مزيداً.. إلا أن الشعار الذي ستعتمده في السياسة الخارجية ابتداء من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين سيكون قليلاً.. فقد انتقلت الولايات المتحدة من كونها دولة “منتصرة” عقب نهاية الحرب الباردة عام 1989، إلى “قوة عظمى مقتصدة” في بداية الألفية الثالثة، وهو مصطلح جديد سيلازمها الفترة المقبلة، وسيتردد صداه كثيراً في وسائل الإعلام المختلفة، وقد لا تخوض الحروب الاختيارية كما كان الحال في السابق، ولن تسمح لنفسها أو يسمح لها اقتصادها، باستعراض القوة العسكرية مرة أخرى.

اللامعادلة والمجهول

ويعقد مندلبوم مقارنة حول القرارات السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية في منتصف القرن الماضي، وفي بداية القرن الحادي والعشرين، فيقول: لقد دفعنا القمر السوفيتي (سبوتنيك) إلى بناء طريق سريعة نحو المستقبل، لكن الحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر قادتنا إلى بناء جسور نحو المجهول، لذلك امتثل أوباما لنصيحته وأنهى الحرب غير المحددة على الإرهاب – وكأنها انتهت فعلاً - والتي كانت أشبه بالشيك المفتوح على بياض للرؤساء الأمريكيين من أجل استخدام القوة في أي مكان في العالم.
أما مواقف أوباما – غير المفهومة - مما يجري فيما يسمى بالربيع العربي، فهي مبثوثة في كتاب مندلبوم “اسم الديموقراطية الطيب: صعود الشكل الحكومي الأكثر شهرة على مستوى العالم والمخاطر المحيطة به”.
ويطرح سؤالاً محدداً: هل يقود التحول السياسي في مصر إلى الديموقراطية في نهاية المطاف؟ ويجيب بعدم اليقين وضرورة الحذر، لماذا؟ لأن الديموقراطية الحقيقية تعني ممارسة العملية الانتخابية في حرية، ومصر تواجه تحديا خطيرا هو أن الجماعة الأكثر تنظيما في مصر هم جماعة الإخوان المسلمين، الذين يرفضون حرية الأديان والحقوق الفردية، خصوصا حقوق المرأة والأقباط، ولهم أطماع عابرة للأوطان والقوميات تتمثل في حلم الخلافة الإسلامية التي تستوعب الإسلام السني من تركيا إلى الصين مرورا بالعالم العربي وآسيا الوسطى.
وبالنسبة للحرية الاقتصادية فإن مصر في وضع غير موات، ذلك أن اقتصادها عبارة عن شكل من أشكال “رأسمالية المحسوبية”، حيث يعتمد النجاح الاقتصادي على مدى قوة العلاقات السياسية التي يتمتع بها المرء، وليس على منافسة السوق الحرة القائمة على الجدارة والتي تنشأ الحرية في كنفها، وبالتالي ليس من المتوقع أن تحل مشكلات البؤس والفقر والبطالة (في المستقبل القريب) التي تغذى عليها الإخوان المسلمون طيلة 80 عاماً، لذلك فإن النصيحة التي قدمها مندلبوم مبكرا لأوباما هي “التظاهر” بالموافقة والرفض في آن واحد، والتعامل مع الأطراف المتصارعة كافة بنفس القدر، وألا يغلّب طرف على آخر.
ويبدو أن هذه المعادلة، أو بالأحرى اللا معادلة، هي أهم ما يميز سياسة أوباما في هذا المنعطف التاريخي الخطير في المنطقة والعالم.