قال لي صديقي الأستاذ محمَّد باوزير: لقدْ شَدَّني الفصْل البديع الَّذي كَتَبَه العلَّامة محمَّد كُرْد عليّ عن الدّكتور شِبْلي شميِّل في كتابه «المعاصرون». ولمْ يكدْ أبو فراس يطمئنّ في جلسته، حتَّى أكمل قائلًا: عرفْتُ وجهًا آخر لهذا الرَّجُل، غير الَّذي عرفتُه مِنْ قبْلُ في طائفةٍ مِنْ كُتُب الأدب، جَعَلَتْه عدوًّا للدِّين، هَمُّه هَدْم تراثنا وثقافتنا ولغتنا، فهيئة هذا الرَّجُل أبدًا هيئةٌ متجهِّمة منفِّرة، لا نتلقَّاها إلَّا ونحن لها كارهون.
أمَّا العلَّامة محمَّد كُرْد عليّ، فكتابه «المعاصرون» رسم لنا صُورة بَلَغ فيها شبلي شميِّل مِنَ الإنسانيَّة ذُرَاها، فَلَسْتَ تجد هذا الطَّبيب في عيادته إلَّا حادبًا على الفقراء، لا يُكَلِّفهم فوق ما يُطِيقون، ولا نتقدَّم في ترجمة هذا الطَّبيب المفكِّر إلَّا وقدْ مَلَكَ علينا عواطفنا، وأحسسْنا في أنفسنا ميلًا إليه، وسَرْعان ما نَطرِح كلّ تلك العبارات الَّتي سِيقتْ فيه وفي أقرانه مِنَ النَّهْضويِّين، وكلّ ما جَنوه أنَّهم أطلقوا عقولهم، ولمْ يَحُولوا بينها وبين العِلْم والفِكْر والثَّقافة.
والحقُّ أنَّ ما أحسَّه صديقي هو ما أُحِسُّه كلَّما سِيقَ اسم شبلي شميِّل، ولا ذَنْبَ لهذا المفكِّر الإصلاحيّ إلَّا عنايتُه المبكِّرة بنظريَّة داروِن في أصْل الأنواع، وآراؤه في الدِّين واللُّغة والثَّقافة. وما اعتقده هذا المفكِّر مِنْ رأْيٍ سبيلُهُ الثَّقافة، يوافقه قوم ويُعْرِض عنه آخرون، والموافقة والإعراض إنَّما هما ما تُمليه علينا الأفكار لا العاطفة الَّتي لا تَعْنِينا كثيرًا في العِلْم والفِكْر.
في كتاب «المعاصرون» للعلَّامة محمَّد كُرْد عليّ اكتشف صديقي باوزير واكتشفْتُ معه أنَّ للمفكِّرين صُوَرًا مختلفة، وأنَّه لا ينبغي أن يَحْمِلَنا الدَّارسون على عقيدةٍ ما، وأنَّ اجتهاد المجتهدين، وإنْ لمْ نَمِلْ إليه ولمْ نَرْتَضِه، إنَّما هو رأْيٌ إنْ لمْ نأخذْ به، فليس مِنَ العِلْم أنْ نَحْمِل القُرَّاءَ على ما يعتقده المؤلِّفون، فنُحِبّ الَّذي يُحِبُّون ونَكْرَه ما يَكْرهون، وأنَّ مِنَ الخير لصِحَّة الثَّقافة والمثقَّفين ألا نترصَّد لأهل الفِكْر ونُشَدِّد عليهم، فنقيم لهم محاكم ليس فيها إلَّا كافر أوْ مؤمن، وربَّما احتجْنا إلى عقود طويلة حتَّى نُحَرِّر أفكارنا مِمَّا ران عليها، وقلَّما أفلحْنا في تحريرها.