توفرت للعراقيين فرصة ذهبية بعد سقوط النظام السابق عام 2003 لبدء علاقة جديدة مع بعضهما البعض، بعيدا عن الصراع الطائفي أو العرقي الدموي وحالة التنافر القائمة بينهم، فلو اتفق السنة والشيعة اللذان يكونان غالبية عرب العراق على المادة 119 من الدستور العراقي الخاصة بتكوين الأقاليم كاستراتيجية لحكم البلاد وتوزيع إدارتها عليهما، وأنشأ كل واحد منهما إقليمه الخاص، وعاشا بالأسلوب الذي يرتئيانه، والمبدأ الذي يعتقدانه، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد من التهور في البلاد، ولما اتسعت الهوة بينهما وتورطا في حرب أهلية طائفية في عامي 2006 و2007 ذهب ضحيتها الآلاف.
يجب على الطرفين معرفة حقيقة غاية في الأهمية وخاصة بعد أن سالت بينهما أنهار من الدماء، وهي أنهما لا يمكن لهما العيش معا ضمن مجتمع واحد وحياة مشتركة واحدة، وفي ظل حكومة تحكمها أحدهما أوكلاهما معا، لأنهما على طرفي النقيض تماما، لا يجمعهما جامع، يختلفان في كل شيء، في المفاهيم الوطنية والدينية والثقافية، ولكن تعنت بعض الأحزاب الشيعية وعلى رأسها حزب الدعوة وإصرارها على عدم تطبيق الدستور وقيادة البلاد بقبضة حديدية كالسابق وإخضاع الأحزاب والمحافظات غير الشيعية لسلطتها بالقوة، جعل العراق يعيش في أزمة خانقه دائمة وصراع مستمر.
وقد أدرك واضعو الدستور العراقي طبيعة التناقضات الصارخة بين المكونات الثلاثة الرئيسة في العراق «السنة والشيعة والأكراد»، لذلك شددوا على أن يكون النظام السياسي في العراق نظاما اتحاديا فدراليا، وقد دعا الرئيس السابق للمجلس الأعلى الإسلامي «عبدالعزيز الحكيم» ـ رحمه الله ـ ومعه بعض القوى الشيعية مرارا بتشكيل إقليم للشيعة في الجنوب على شاكلة إقليم كردستان، ولكن قوبل طلبه بالرفض القاطع من قبل الأحزاب والقوى السنية المنضوية في القائمة العراقية التي اعتبرتها محاولة للانفصال وتقسيم البلاد، ولكن عندما خاضت صراع السلطة المرير مع ائتلاف دولة القانون الحاكم بزعامة»المالكي» وأدركت أنها لن تكون شريكا حقيقيا في الحكم وإدارة البلاد، أخذت تغير من استراتيجيتها وتنادي بالإقليم السني، ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن تمكن الحزب الحاكم من التحكم في مفاصل الدولة، وينفرد في الحكم، والفضل في ذلك يعود إلى تلك الأحزاب السنية من خلال ارتكابها لأخطاء استراتيجية فادحة في بداية تشكيل الدولة العراقية الجديدة؛ أخطأت عندما لم تشارك في الانتخابات التشريعية عام 2005 وأخطأت عندما عارضت الدستور وفكرة إنشاء الأقاليم والعملية السياسية برمتها، وأخطأت عندما تبنت النهج الشوفيني العربي في تعاملها السياسي مع قوى عراقية أخرى «سنية» كالأكراد، وأخيرا أخطأت عندما استمرت في سياستها القومية العنصرية ضد الأكراد حتى وهي تخوض غمار حرب طائفية ضروس ضد الشيعة.
مهما حاولت حكومة المالكي التي تصر على إعادة الحكم المركزي القوي إخفاء وجهها الطائفي بشعارات وطنية براقة، فلن تستطيع أن تتهرب من حقيقة تاريخية وهي أن التعايش بين السنة والشيعة بات في حكم المستحيل، لأنهما مختلفان في كل شيء، كما قلنا.
ولقد أدرك نائب الرئيس الأمريكي «جوبايدن» هذه الحقيقة مبكرا، لذلك سارع إلى تقديم مشروعه القاضي بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم أو ولايات تتمتع كل منها بحكم ذاتي واسع، وكذلك أدركها «عبدالعزيز الحكيم» وعرف أن التمازج بين النقيضين السنة والشيعة، مستحيل، مهما كانت الدوافع والمبررات، ولكن مع الأسف رفضها السنة قبل الشيعة واحتكما إلى العاطفة والنوازع الوطنية والقومية الكذابة بدل احتكامهما إلى الواقع والمنطق، وفضلا العيش في صراع طائفي عبثي دموي، وقتل على الاسم والهوية من أن يعيشا بسلام وأمان في إقليمين جارين أو حتى دولتين تربطهما علاقة جيرة وصداقة والمصلحة المشتركة، بدل الاحتراب والإرهاب وترويع بعضهما البعض. وقد قتل في الحرب الطائفية التي جرت بين الطرفين عامي 2006 ــ 2007 أكثر من مئة ألف إنسان، فقط لكونهما من سنة وشيعة!
مهما قيل عن الجوانب المشتركة بين الطرفين وهي كثيرة إن اتفقا عليها، مثل الوطن والأرض والدولة والمصلحة العليا للبلاد، ولكن المشكلة تكمن في كونهما غائبين في عمق التاريخ وأحداثه الساخنة، يعيشان فيها، صحيح أن تاريخهما واحد ولكن بوجهة نظر مختلفة وتفسير مغاير، والخطر يكمن في هذه النقطة، لأن كل واحد يرى نفسه هو الأصوب والأصح، وهو يمثل هذا التاريخ، فلو كان «تاريخان»، لهان الأمر ولما وصلت العلاقة بينهما إلى القطيعة والمواجهة المستمرة.
الوحدة المستحيلة في العراق
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
