وعندما تمشي في شوارع ليفربول، التي لفتت نظري بشوارع تبلغ عرضا يمكن مقارنتها بالبوليفار، وهي صفة لا تجدها فعلا إلا في لندن، ينتابك الجوع، فيقول لك أحدهم إن الوقت حان لتأكل طاجن اللحم، في مدينة آكلي الطواجن.
كنت أمشي في الماثيو ستريت ذي المهرجان المجاني العالمي السنوي للموسيقى، بعد مغادرتي متحف البيتلز، الشارع الذي اكتسى بمسحة سياحية لا تخطىء في علاقته بالفريق البريطاني الشهير، الذي طبقت شهرته الآفاق، وتشبه به الشباب في جميع أنحاء العالم. لي صديق سكندري، أراني يوما صورة والده الذي أطلق شعره الناعم إلى الأمام وارتدى منظارا طبيا دائريا، وسماه أصحابه بـ»يس لينون». في سنوات الستينات، كانت الأجيال الأحدث تشير للجيل الجديد المتمرد، ذي الشعر المطلق بعبارة «الخنفس»، بدت الكلمة براقة ومناسبة تماما للتهكم، ولكن لم يعرف الكثيرون أن أعضاء الفريق كانوا، مثل كل أبناء مدينتهم، يعرفون بـ»آكلي الطواجن».
نشأت هذه العادة في كل المدن الساحلية الموجودة في الشمال، والتصقت بالبحارة: طواجن اللحم المخلوطة بالخضراوات والبصل، والتي يلتهمها البحار ملتهبة ساخنة لتعطيه الدفء والقوة في مواجهة مهمة مليئة بالرياح والبرد والماء. وقبل أن تسأل سؤالا شرعيا عن نوع اللحم أطمئنك أن اللحوم المستخدمة كلاسيكيا هي لحوم البقر والماعز. بالطبع دخلت العديد من التعديلات على الطبق الكلاسيكي، بالذات عدم وضع «بسكويت البحر» في قاع الطاجن (وهو نوع خشن قوي من البسكويت مصنوع خصيصا لتحمل ظروف البحر القاسي)، وغير ذلك كثير، ولكن بقي في الأعم الأغلب استخدام لحم البقر في هذا الطبق الشهي. جاء في بالي مدى غرابة ذلك ابتداء، فهناك أنواع من اللحوم لا تحبها ثقافتنا منتشرة بقوة لرخصها مقابل لحم البقر غالي الثمن نسبيا في بريطانيا وأوروبا عامة. خطر لي أن لحم البقر والضأن مناسبان أكثر لظروف الطواجن، إتقان في الوجبة واحتفاء بالطعام تجدهما في المجتمعات الغربية الاستهلاكية ذات الدخل الأعلى من معظم بلادنا العربية.
يبدو من الظلم وحده حصر الموضوع في مستوى الدخول، فحتى في الدول العربية الغنية، لا تجد مثل هذا الاحتفاء الحقيقي والواسع بالمطبخ العالمي، تذكرت أنني في أدنبرة قد تناولت حساء تايلانديا متبلا شهيا من جوز الهند - نعم، جوز الهند- في مطعم عادي غير مخصص للطعام التايلاندي مثلا.
على العموم، مضينا نمشي في الشوارع المليئة بالحياة، بعدما أخبرتني الرفيقة بتفضيلها مطعما بعينه يقدم الطاجن الشهير في صورة أقرب لصورته الأصلية، اخترقنا ويليام براون ستريت، المصنف ككل وسط مدينة ليفربول كأثر عالمي بحسب اليونسكو، ونجحت معالم الشارع البديعة في أن أنسى عصافير بطني تماما، فهناك نفق «كوينز واي تانل» البديع، ومكتبة ليفربول المركزية، وكان طريفا أن أرى إعلانا لعرض يخص حضارتي المصرية معلقا على حائط المتحف العالمي بليفربول، عامود ويلنتجتون وقاعة السان جورج، نافورة الاستيبي ماونتن والطراز المعماري البديع لـمحطة «ليم ستريت» وفندق الجريت نورث وسترن والمسرح الإمبراطوري بليفربول، وهذا قليل من كثير في هذا المتحف الحقيقي المفتوح. كنا نمشي ببطء متذوقين ما يحيط حولنا من جمال، وعيناي تلتقطان متحفا آخر من البشر، صينيون وأفارقة ومن يبدو كالعرب أو اليونانيين. في أواسط القرن التاسع عشر وصل تعداد المدينة من الأيرلنديين إلى الربع بعد المجاعة العظيمة في أيرلندا، وبالتالي قد يكون جانبا ممن يعبرون بجواري، وأعتبرهم «حمر الرقبة»، وهو الاسم الذي أطلق على الإنجليز في الشرق، قد يكونون في الحقيقة أيرلنديين.
وصلنا إلى المطعم بعد جولة لا تنسى، جلسنا إلى الطاولة بحماس، وقد زادت جرعة المشي والجمال من نسبة الجوع، فتحولت عصافير البطن إلى ديناصورات مطلقة السراح. تسألني رفيقتي الرقيقة، التي هي من مانشستر، عن ما أحب أكثر، مانشستر أم ليفربول؟. أي لانكشير أم يوركشير دون أن تقول. نظرت لها وأنا أجاهد أن أكتم ابتسامتي. هذا عشاء شهي ولا يمكنني إفساده بإجابة صريحة.