كتب الروائيّ المصريّ نجيب محفوظ هذا العنوان لمقالة له نشرت في كتاب محرر قبل ما يقارب عشرين عامًا، كشف فيه عن اهتمامه بالصحوة، وأثرها في تشكيل أمّة عربية واحدة، واشترط لذلك أن تُدار بالطريقة المناسبة، لكن الأمر لم يؤت ثماره، وكانت الصحوة مخيبة للإنسان العربي، إذ أُديرت بطريقة غير مناسبة، فأثمرت نتائج سلبية على حياة العربي، وبدت الأوضاع أكثر سوءًا من الحقبة التي سبقتها.
إن أهمية هذا تتجلى أولًا في كون الموضوع قد كتبه محفوظ الذي يصنّفه أعداؤه كما يصنفون غيره في كونه ليبراليًا أو علمانيًا أو... إلخ، وتأتي هذه المقالة في كتاب بعنوان «حول الدين والتطرف» تحرير فتحي العشري، بوصفها محاولة جادة تتلمس إطلاق التدين من قيد التطرف الذي عانى منه عندما حاول أحد المتطرفين قتله، وثانيًا في كون الموضوع يدعو إلى صياغة جديدة للصحوة وتبنيها، لأن أهمية تجديد الخطاب الدينيّ تنعكس على الأصعدة كافة، وتتجاوز حدود الجغرافيا، ولذلك فإن الحاجة إلى هذه الصياغة تبدو ماسّة جدًا هذه الأيام في ثقافتنا. وأزعم أن الخطاب الدينيّ قادر على الخروج من مأزقه الحالي، في ضوء وجود عدد من الأسماء الواعية والأقلام النزيهة التي تكتب بوعي بعيدًا عن المصالح الضيقة، لكن فرص هؤلاء المفكرين المجددين تظل ضيقة في التأثير، إذ لا تتوفر لهم الفرص والمساحات المناسبة المخصصة لغيرهم، إلى جانب كونهم يتعرضون لأزمات سجاليّة متتالية، قد يحب بعضهم الدخول إليها، فتلهيهم عن متابعة مشاريعهم الفكريّة، وإن انصرفوا إلى تلك المشاريع نراهم لا يحظون بثمرة جهودهم النيّرة إلا من القليل، إلى جانب عدم توفر المجال الأنسب لتطبيق رؤاهم الفكريّة في ثقافات ترسخ للسائد وتتباعد عن التطوير.
إن سؤال الصحوة الصافية يتوسل إجابة قد تطول، ولعلّ الإجابة الموجزة التي أقترحها تستدعي الارتهان إلى ثلاثة مكونات أساسيّة، ستقود إلى صفاء الصحوة. يتمثل المكون الأول منها في البعد التاريخيّ في كوننا نريد صحوة قوامها الإفادة من التاريخ، في مراجعة جادّة، حقلها تلك التجارب السابقة التي انعكست سلبًا على الثقافة العربيّة، وقادت إلى مزيد من الإشكالات المتتالية، وفي هذه المراجعة فرص حقيقيّة للانطلاق والنمو المرتجى.
أما المكون الثاني فهو عنصر حضاريّ أراه مهمًا، ولا قوام للصحوة دونه، إذ نريدها صحوة لا تنطلق من الدين فحسب، بل تمتد إلى مجالات الحياة كافة.. صحوة تستهدف تلك المجالات، إذ تنطلق من التعليم أولًا، ومن ثمّ إلى غيره لتنبثق شعلتها في فضاءات الوعي.
ويتجلى المكون الثالث داخل منظومة الصحوة نفسها، حيث نريدها صحوة تبتعد عن التعصب، وتعتمد على التسامح، انطلاقًا من الأسرة والمجتمع، ومن ثمّ المذاهب الدينيّة، إلى جانب كونها تستفيد من منجز الأمم من حولنا، وتراهن على إحداث التغيير الذي نتطلع إليه. وبوجود المكونات السابقة يمكن لنا أن نتفاءل بصياغة صحوة إنسانية خلاقة تتوارثها الأجيال.
نريدها صحوة صافية!
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
