إن كل مصطلح وكل فعل يمكن أن يُطرح عليه سؤال النقد والحفر والتفكيك وغيرها من الأسئلة الكاشفة بُغية المعنى وما وراء المعنى، ولا سيما أن العقل المفكر ليس وحده المستقل بالإدراك، إذ يشاركه العقل التأويلي والعقل التأملي الجمالي، والتأملي الذوقي مما يشكل منظومة الفهم.
وبما أن الإنسان متدين بفطرته التي هي القدرة العليا لديه، والتي جاءت الأديان من أجل تكميلها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» وفي الحديث القدسي فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: «خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» وإذا كان الدين أعلى مقدرات الإنسان، وهو أفضل أعماله فإن الأسئلة الكبرى يجب أن تتوجه في هذا الطريق.
فهل نحن نقرأ الدين كما هو من الدين نفسه؟
أم إننا نقرؤه من خلال الانتماء إليه وفهمه؟
أم من الذاكرة الراكدة؟
أم من السياسة العالقة به؟
أم من المجتمع الذي وجد نفسه عليه؟
الإجابة على هذه الأسئلة هي أنماط التدين الذي هو الممارسة العملية للكيفية التي تتم بها قراءة الدين. نطرح هذه الأسئلة وقد مرت عصور ـ بعد عصر الرسالة ـ كان التدين فيها يموج في صراعات سياسية عنيفة تنعكس على المجتمعات وعلى السلوك المعرفي فيها.
ومن المفارقة أن أكثر منتجات الفهم الفقهي والعقدي كانت في تلك العصور مما يجعلنا لا نشك أن التدوين في تلك الأزمنة حتمي بما يحدث فيه. الأمر الذي يجعل السؤال النقدي والحفري هو المخرج من أزمات الوعي التديني إلى جمالية الدين وصفائه في عصر التنزيل وفي ذوقيات وجماليات التجربة النبوية الفريدة.
ولا ريب أن هذا الطريق من الوعي سوف يسقط الكثير من المفاهيم المغلقة، والمفاهيم الوقتية المرتهنة بالحدث، وكذلك المفاهيم الشخصية ذات المنتج العقلي القاصر عن ملَكة الكلي والغارقة في تفاصيل الجزئي. هذه الممارسات التي هي قراءة للدين من الذاكرة الراكدة من دون أي محاولة للارتقاء بالأدوات المعرفية، لا تختلف عن القراءات العامية التي تقرأ الدين من مجرد الانتماء العاطفي له.
وإذا كانت هذه وتلك قراءة واحدة في المضمون وإن اختلفت في الشكل، فإن هذا يجعلنا نفهم لماذا نحن متدينون بلا نهضة! وبلا محتوى صالح للتداول الكوني! متدينون خائفون تحت سيطرت الاستلاب والمؤامرة! إن التدين الذي يصلح للحياة وللكونية وللعطاء المستمر هو التدين الذي نقرؤه من وحي الرسالة ومن توجيه النص المقدس كما هو لا كما يريده فهم البشر المنتج تحت أي ضغط ولمصلحة أي أحد.
فجمالية الدين أنه لا يَخْلق ولا يبلى، بل هو جديد متجدد. وهذه الخاصية ـ الجدة والتجدد ـ ترهق كسالى الذهن التقليدي ومن خلالهم تتأزم فكرة التدين. لكن حتمية النور الإلهي تتجلى إشراقاتها على طريق الحقيقة.