جميع الدول الأكثر تقدماً صناعيا واقتصاديا وحضاريا وفكريا لم تقم نهضتها ويزدهر اقتصادها وتتحقق العدالة الاجتماعية بين أفراد شعبها ويسود الاستقرار والأمن فيها وتصبح مضرب المثل في التقدم والتطور والرقي والازدهار، إلا بعد محاربتها ومكافحتها للفساد بشكل حقيقي وملموس وليس مجرد كلام يتم تسويقه إعلامياً. فمن مقومات الإصلاح في أي بلد وفي أي مجال كان، هو محاربة الفساد بكافة أشكاله، والحد من انتشاره، لأن الفساد بين الأمه يعتبر من أهم موانع الإصلاح، فإن لم نكافحه بطريقة أكثر جدية وواقعية فلن نتقدم خطوة في مسيرة الإصلاح المنشودة. فدولة كالأرجنتين مثلاً، وبعد عملية الانقلاب الشعبية على حكم العسكر فيها، لم تلحظ في بادئ الأمر أي تطور واستقرار وتقدم كما كانت أحلام المواطنين تتطلع إليه بعد إزاحتهم للحكم العسكري، بل على النقيض تماماً زادت الفوضى في الشوارع وزادت عمليات السرقة والبلطجة وقطع الطريق والسطو المسلح، وزاد الفساد في وزاراتها وتراجعت موارد البلاد الأساسية، وزاد الفقر بين مواطنيها وأصبحت على هاوية السقوط، إلا أن الحكومة في ذلك الوقت قررت محاربة الفساد بكافة أشكاله كمحاولة أخيرة لإصلاح حال البلد وإرجاعه على الطريق الصحيح وكان شعارها في ذلك الوقت «لن نتقدم خطوة للأمام وهناك ملفات قديمة معلقة علينا حلها»، ولم تدم عملية مكافحة الفساد طويلاً إلا وبدا هناك تغيير حقيقي وكبير في سلوكيات الشعب وأداء الوزارات، وبدأت خطوات الإصلاح تدب في المجتمع وبدأ الفرق واضحا وجليا بين سنين الانفلات الأمني والفوضى والبلطجة، وبين ما آلت إليه البلاد بعد عمليات الإصلاح من تقدم ملحوظ وتطور وازدهار، فلو لم تكن هناك إرادة حقيقية في الإصلاح ومكافحة الفساد لما رأينا الأرجنتين اليوم. اللهم أرزقنا منتخبا كالأرجنتين، وهيئة لمكافحة الفساد كالتي عملوها.