التاريخ فيه عظات وعبر، وآيات ودلائل، قال تعالى: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } (الأنعام:11).
التاريخ فيه استلهام للمستقبل على ضوء السنن الربانية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابي أحدا.
التاريخ فيه شحذ للهمم، وبعث للروح من جديد، وتنافس في الخير والصلاح والعطاء.
يعتبر التاريخ مرآة الأمم، يعكس ماضيها، ويترجم حاضرها، وتستلهم من خلاله مستقبلها، كان من الأهمية بمكان الاهتمام به، والحفاظ عليه، ونقله إلى الأجيال نقلا صحيحا، بحيث يكون نبراسا وهاديا لهم في حاضرهم ومستقبلهم. فالشعوب التي لا تاريخ لها لا وجود لها، إذ تحيى بوجوده والعكس صحيح.
ونحن كشارع وحداوي من الواجب علينا حفظ تاريخ النادي الرمز لمكة من المزورين وآفات التاريخ الرياضي، الذين أدخلوا فيه ما أفسد كثيراً من الحقائق، وقلب كثيراً من الوقائع، وأقاموا تاريخاً يوافق أغراضهم، ويخدم مآربهم، ويحقق ما يصبون إليه.
ونحمد الله عز وجل أن هناك رجلا يعتبر شاهدا على الزمن الجميل لمسيرة النادي وهو المؤرخ الأستاذ محمد غزالي يماني، الذي أمدنا بكثير من الطروحات التاريخية التي حفظت ماء وجه النادي الرمز لمكة المكرمة من آفات التزوير والكذب.
ولم يكتف بذلك، بل أجهد نفسه في تأليف كتاب عن الرياضة في مكة وتحديداً فيما يخص نادي الوحدة، نتمنى من المولى العلي القدير أن يكون هذا المنجز نبراساً وملهماً للشباب المكي لمعرفة تاريخ هذا النادي العظيم الذي ظلم من الأقربين ظلماً لا يقارن.
من بين الطروحات والتاريخ الذي دوّنه المؤرخ محمد غزالي يماني في كتابه، أن هناك فريقا باسم (المختلط) تكوّن في نهايات (1334 - 1916) أيام حكم الشريف حسين، وقد سُميّ النادي بهذا الاسم تمييزا لهُ، لأنَ معظم حواري مكة المكرمة الكبرى قد بدأت بمزاولة الكُرَة، وقد سُميت الفرق بأسماء تلك الحواري آنذاك «بمعنى أن فريق كل حارة كان يحمل اسمها»، وجاء هذا النادي «المختلط» ممثلا عن مكة بأسرها، وكان خليطاً باسم أهالي مكة المكرمة وحاراتها العديدة وضمَ كلاً من «حمزة بصنوي وحامد دمنهوري ـ رحمهما الله، بالإضافة إلى محمد خوجة، وأحمد شطا، وعباس دومان، ومحمد الجعيد، ويوسف خضري رحمهُ الله الذي كـان رئيساً للنادي آنذاك.
وتحول اسم فريق المختلط عدة مرات إلى أن استقر في الخمسينات الهجرية على اسم فريق الحزب، وبعد ذلك وبتوجيه وزاري، كما يقال، تم تغيير اسم النادي لعدم ملاءمته النواحي السياسية في تلك الحقبة الزمنية على الأخص، فوقع الاختيار على اسم «الوحدة» لاشتراك جميع حواري مكة فيهِ 1366 - 1945.
يقول الأستاذ عبدالرزاق بن أمين محبوب، وهو مهتم بالشأن والتاريخ الوحداوي «الخطأ الوحيد الذي تتحملهُ إدارة الوحدة آنذاك هو أنه عندما قامت بتعبئة استمارة التسجيل في الرئاسة، بعثت بتاريخ تأسيس النادي الرسمي وتجاهلت بداياتهِ، أي عندما استقر الاسم أخيرا على نادي الوحدة في 1366 حينَ كُونت إدارة جديدة - مع العلم أنها أول إدارة نموذجية في تاريخ الرياضة السعودية مُوزَعة المهام.
وهُنا استغل الإعلام المُضاد ذلك الخطأ وذهب يُروِج لنشر إشاعات غرضها جعل نادي الاتحاد هو الأول نشأةً وتأسيساً، متناسين شهادات مخضرمي العصر والخبراء والمحايدين الذين أكدوا جميعهم أنهم عرفوا الوحدة أولاً قبل أي فريق آخر، وكان أبرزهم إلى العهد القريب جداً الشيخ الراحل عبدالرحمن بن سعيد مؤسس نادي الهلال، وأستاذ التعليق الرياضي زاهد قدسي، والرمز النصراوي الكبير الأمير عبدالرحمن بن سعود عليهم رحمة الله تعالى، وكذلك الأستاذ محمد رمضان، والحكم عبدالله كعكي، وعضو شرف نادي الوحدة المؤرخ الأستاذ محمد غزالي يماني، وغيرهم كثير من الذين أكدوا في أكثر من موضع أن الوحدة ظهر أولاً ومن ثم الاتحاد».
وفي جزئية أخرى للأستاذ عبدالرزاق محبوب يقول «نعرف أن أول بطولة سعودية لكأس الملك أقيمت في 1377، وانتصر بها فريق الوحدة العريق.. فكيف ذلك ..؟ ونادي الوحدة وعلى حسب أقوالهم بدأ في 1366 ..؟ فلو كان التاريخ التأسيسي صحيحا .. فكيف لناد حديث النشأة بعشرة سنوات فقط، الانتصار على ناد لعبَ الكرة منذ 30 عاماً؟ فهل كان باستطاعة النادي الوحداوي الحديث والجديد في التأسيس والشهرة ومزاولة الكرة، هل كان بإمكانه إلحاق هزيمة كبيرة وتاريخية بنادي الاتحاد العريق في التأسيس والشهرة على حسب أقوالهم، وبأربعة أهداف للا شيء ..؟ وهل كان بإمكان الجماهير الوحداوية العريقة أن تتفوق في كثافتها على جماهير الاتحاد وفي ملعب الصبان بجدة..؟ وهل كان بإمكان النادي الذي تأسسَ ونشأ حديثاً أن يتأهل للنهـائيات على البطولات السعودية في كل عام ..؟! فهل تعلم أيُها القارئ الكريم أن الوحدة كان طرفاً ثابتاً في النهائيات لسبع سنوات متتالية في البطولتين كلتيهما (الدوري والكأس) ..؟
نتساءل بالعقل والمنطق ..؟ 10 سنوات فقط .. هل هي كافية لصعود نادي الوحدة للمباراة النهائية على الكأس؟ فلو كان التأريخ التأسيسي صحيحاً، إذن فكيف يتجاوز هذا النادي المكون من عشرة أعوام أندية أكبر وأعرق منه تأسيساً كالأهلي والاتفاق وأحد والشاطئ والشباب والشبيبة وأندية أخرى ألغيت واندثرت وأدمجت وحلت.
هكذا يكتب تاريخ الأندية يا سادة
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
