أثار انخفاض أسعار النفط العالمية على مدى الأشهر الماضية مخاوف بشأن تأثر الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة، والتي تعتمد على تقنيات مرتفعة التكلفة مقارنة بأسعار النفط الرخيصة، إلا أن مستثمرين في مجال توليد الطاقة من المصادر المتجددة، قللوا من شأن هذه التأثيرات، خاصة في ظل جهود دؤوبة لتطوير تقنيات جديدة تساعد على تقليل تكاليف إنتاج الكهرباء من مصادرها المتجددة.
المزايا تدفع نمو القطاع
يتسم توليد الطاقة من المصادر المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها بمزايا عدة من بينها الاستدامة الطبيعية، وحفاظه على البيئة، كما أن مصادره متاحة لكافة الدول.
ويرى خبراء في القطاع أن ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الماضية لأعلى من 100 دولار للبرميل، كان محفزا للاستثمار في الطاقة المتجددة، وأن انخفاض الأسعار لن يكون مؤثرا ولن يوقف الاستثمارات، خاصة أن تكاليف إنشاء المشروعات والتي تتسم بالضخامة في البداية، توزع بعد ذلك على عمر المشروع والذي يصل في المتوسط على سبيل المثال في محطات الطاقة الشمسية إلى 25 عاما.
وتشير تقارير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على الطاقة سينمو عالميا 37% بحلول 2040، حيث سينقسم مزيج الطاقة المستخدم إلى 4 أرباع متساوية تتمثل في النفط والغاز والفحم والمصادر منخفضة الكربون أي الطاقة المتجددة.
التنافسية أمام الأحفوري
تقرير وكالة الطاقة الدولية الذي صدر في نوفمبر الماضي قال: إنه في منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال يتم استهلاك 2 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية في توليد الكهرباء، لكن في حال غياب دعم أسعار النفط، فإن تكنولوجيات الطاقة المتجددة قد تكون منافسا مهما لمحطات توليد الطاقة الأحفورية المعتمدة على النفط.
الرئيس التنفيذي لمجموعة أولاد عياد للطاقة الشمسية المهندس جورج عياد التي تعمل في مصر قال: إن استمرار انخفاض أسعار النفط العالمية، سيكون له تأثير محدود على سوق توليد الطاقة وأضاف عياد، أن انخفاض أسعار النفط على المدى الطويل قد يدفع الشركات العاملة في مجال الطاقة المتجددة، إلى البحث عن وسائل تقنية جديدة تقلص نفقات الإنتاج، وهو ما تسعى إليه الشركات العاملة في هذا القطاع فعليا، مضيفا إلى أن تكلفة توليد الكيلوواط من كهرباء الطاقة الشمسية تراجعت 44 % على مدى الخمس سنوات الماضية بسبب تطور تقنيات الإنتاج.
وأوضح عياد أنه لا يتوقع تأثير واضح خلال الفترة الحالية لانخفاض أسعار النفط على استثمارات الطاقة المتجددة، خاصة أن انخفاض الأسعار لا يدوم طويلا، الأمر الذي يقلل من تأثيراته على صناعة الطاقة المتجددة التي تعد من الاستثمارات طويلة الأجل.
مساعي لخفض التكلفة
الرئيس التنفيذي لمجموعة أولاد عياد للطاقة الشمسية أكد أن الشركات تسعى لتخفيض تكاليف مشروعات محطات الطاقة الشمسية، عبر عدة محاور بخلاف التقنيات من بينها تقليل مساحات الأراضي المقام عليها المشروع، مشيرا إلى أن توليد واحد ميجاواط كهرباء من الطاقة الشمسية، يحتاج إلى أرض تصل مساحتها إلى نحو 1.2 فدان، وهو ما تحاول الشركات تقليصه من خلال تطوير الخلايا الشمسية، في سبيل زيادة الإنتاج وتقليل التكاليف.
وأضاف عياد للأناضول أن تكلفة توليد الكيلوواط/ ساعة من الكهرباء عبر الطاقة الشمسية تختلف من دولة إلى أخرى، ولكن يصل متوسطها بحد أقصى عالميا إلى نحو 12 سنتا، لتصل تكلفة الميجاواط/ ساعة من الكهرباء عبر الطاقة الشمسية إلى نحو 120 دولار.
وقال عياد: إن التكلفة الاستثمارية لمحطة توليد كهرباء بقدرة 10 ميجاواط عبر الطاقة الشمسية تصل إلى نحو 18 مليون دولار، مشيرا إلى أن التكلفة الاستثمارية الضخمة التي يتحملها المستثمر تتركز بشكل رئيسي عند بداية المشروع، وهى تشمل ألواح الطاقة الشمسية (أغلى مكونات الاستثمار)، وثمن الأرض، وكافة مصاريف الإنشاءات، وبعد ذلك لا يتحمل المستثمر سوى مصاريف الصيانة بتكلفة ضئيلة للغاية.
مكاسب في توليد الكهرباء
وكالة الطاقة الدولية قالت: إن تكنولوجيات توليد الطاقة المتجددة، تلعب دورا رئيسا في خفض الكربون المنبعث من استهلاك الطاقة العالمي، كما أنها تكسب أرضا جديدة كل يوم مدفوعة بالدعم العالمي لهذه التقنيات، والذي بلغ 120 مليار دولار في 2013.
وترى الوكالة أنه مع خفض التكاليف بشكل متسارع والدعم المستمر، فإن مصادر الطاقة المتجددة ستشكل نصف المصادر المستخدمة لتوليد الكهرباء في 2040.
وبحسب إحصاءات وكالة الطاقة الدولية، فإن حصة الموارد المتجددة في توليد الطاقة ارتفعت في معظم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى 37% تقريبا من مصادر الطاقة.
وترى الوكالة أن توليد الطاقة من المصادر المتجددة ينمو بأكثر من الضعف في عدد من الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في مقدمتهم الصين والهند وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.
خيار طاقة الرياح
تحتل طاقة الرياح عالميا النصيب الأكبر بين مصادر الطاقة المتجددة التي تشهد نموا في الاعتماد عليها بحصة تصل إلى 34%، تليها الطاقة المائية بحصة تبلغ 30%، ثم الطاقة الشمسية بحصة تصل إلى 18%.
وتسيطر طاقة الرياح على 20% من المصادر المستخدمة لتوليد الكهرباء في الاتحاد الأوروبي، فيما تمد الطاقة الشمسية اليابان بـ37% من مصادر الطاقة خلال ذروة استغلالها في فصل الصيف.
رئيس مجلس إدارة شركة «كايرو سولار» لحلول الطاقة الشمسية هشام توفيق قال: إنه لا يوجد تأثير لما وصفه بالانخفاض «الموقت» لسعر النفط على الاستثمار في الطاقة المتجددة.
وأضاف توفيق أن ميزة الاستدامة التي تتسم بها مصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة لانخفاض التكلفة الاستثمارية لمحطات توليد الطاقة المتجددة بنسب تصل إلى 60% خلال الـ5 سنوات الماضية بسبب عمليات البحث والتطوير، يحافظ لمحطات الطاقة المتجددة على وجودها بالسوق أمام توليد الطاقة من الوقود الأحفوري (النفط)، خاصة في ظل التغيرات المتعددة على أسعار النفط، وكذلك مصيره الحتمي إلى الزوال من ناحية أخرى.
تراجع الكلفة مع تطور الحلول
أوضح رئيس مجلس إدارة «كايرو سولار» لحلول الطاقة الشمسية، أن التكلفة الاستثمارية العالمية لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة تتراجع بشكل كبير مع التطوير المستمر في هذا المجال.
وارتفع حجم الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة المتجددة من 60 مليار دولار في 2000 إلى 300 مليار دولار في 2011 بنمو قدره 400%، قبل أن تتراجع في 2013 إلى 250 مليار دولار وفقا لتقارير دولية.
ورغم تزايد الاعتماد على الطاقة المتجددة، فإن وكالة الطاقة الدولية ترى أن الاستثمار في استخراج الوقود الأحفوري سيصل في 2035 إلى 23 تريليون دولار، في حين ستصل الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة إلى 6 تريليونات دولار فقط.
الاستثمار طويل الأجلال
رئيس التنفيذي لشركة أونيرا سيستمز للطاقة الشمسية وائل النشار قال: بالنسبة للسوق العالمي، فإن تكلفة إنتاج الطاقة من الشمس في ألمانيا، التي تمتلك فقط ثلث إمكانات الطاقة الشمسية الموجودة في مصر، تعادل تكلفة إنتاج الطاقة من الوقود الأحفوري.
وأشار النشار إلى أنه رغم انخفاض أسعار النفط العالمية، إلا أن تكلفة توليد الميجاواط/ ساعة كهرباء من الوقود الأحفوري في مصر على سبيل المثال تصل إلى نحو 1400 جنيه (196 دولارا)، في حين أن تكلفة سعر الميجاواط/ ساعة من الطاقة الشمسية تبلغ 1020 جنيها (142 دولارا)، بينما يصل سعر الميجاواط/ ساعة من الرياح لنحو 860 جنيها (120.4 دولارا).
وأوضح أن الشركات العاملة في هذا القطاع تتبنى باستمرار تكنولوجيات جديدة من شأنها تخفيض تكاليف الإنتاج.
وقال: نجد كل عام تقنية جديدة تعمل على تقليص تكاليف توليد الطاقة من مصادرها المتجددة.

