لم يكن كتاب الأمير خالد الفيصل «بناء الإنسان وتنمية المكان» (1435) كتاب مسؤول يتحدث عن إنجازاته فحسب، بل كتاب مثقف يمارس دوراً نقدياً وحُلماً بالمستقبل ويستشعر التحدي الذي تفرضه التنمية من أكثر من وجه. وهو إلى ذلك كتاب تجربة إنسانية ووطنية تهزك بحماسها لوطنها وحبها لمواطنيها وتأسرك بانثيالات مشاعرها: حنيناً مؤرِّقاً، أو فخراً صارخاً، ألماً كظيماً هنا، ولوعة شجية هناك..! لكنها مشاعر لم تخلُص للعاطفية بل كانت في معية إعلاء لمنطق العلم وبحث عقلاني دقيق يشخِّص ويعالج، ويبث القناعة في أن البناء الحضاري عمل ولكنه قبل ذلك بصيرة وخبرة ودراسة؛ إنه وعي يحيل الذات إلى موضوع، ولكنه لا ينسى أنه موضوع ليس مفصولاً عن العلاقة مع الذات.
حين يستعيد الأمير ذاكرة الرافضين للتحديث في مواجهة الملك عبدالعزيز رحمه الله، وانتصار المؤسس للتحديث، فإنه يوجه الرؤية الزمنية في الكتاب باتجاه المستقبل والطموح إليه. وقد وضع الأمير شطر البيت الذي أمر الملك المؤسس بتعديله «ونفعل فوق ما فعلوا» عنواناً لأحد مداخل الكتاب التأسيسية، وهذا قصد إلى وعي التطوير والتقدم اللذين يرشحان بدلالة المستقبل أي بدلالة الحركة إلى الأمام. وليس اختصاص الأمير جملة في إحدى صفحات الكتاب ببنط مميز، إلا دلالة اهتمام بمعناها وتأكيد عليه، وهي جملة شديدة الحفاوة بحس المستقبل، وتأتي هكذا: «ولنربط بدايات الماضي بنهايات المستقبل.. ولنكن من المطورين المبتكرين المبدعين وليس من الناقلين التابعين المقلدين» (ص39). وهذا غير الأهمية التي يوليها الكتاب للشباب، فهي أهمية نابعة من تضمنهم دلالة زمنية باتجاه الغد.
ويتصل بذلك ولا ينفصل عنه، الرؤية النقدية التي تنطوي على حاسة كاشفة للأخطاء، فالأمير شديد الثقة في العيون «لأنها لا تكذب» وتلك فراسة القراءة للزيف المطابقة لفراسة القراءة لقصور الوعي أو ضعف الرؤية وما ينتج عنهما من أخطاء. ولقد قرأت وصف الأمير لرحلته التفقدية بعد تعيينه أميراً لمكة، فكانت التفاتته في مكة إلى سوء الشكل المعماري وللعشوائيات مفتاح آهة أليمة، وكان التمدد العمراني غير المخطط قرين ذاكرة مفعمة بصورة قديمة للطائف تفيض بالجمال! وإذا لم نستشف في هذه الرؤية المتحسسة للخطأ منظورها باتجاه التخطي للحاضر والمجاوزة لأوجاعه، فليس لدينا ما تمتاز به من صدق الإحساس وشفافيته.
لكن التخطِّي هنا ليس إرادة فحسب، بل –أيضاً- قدرة، والقدرة ليست امتلاك حلول سحرية للمشاكل، فـ»الأمير لا يملك عصا سحرية لتنفيذ مهامه.. بل يحتاج إلى هيكل إداري يغطي كافة مسؤوليات الإمارة» وهذه دلالة على تعلق الإنجاز بتقسيم العمل، وهي دلالة روح الفريق التي يستعير لها الأمير صفة فريق الكرة، فالفريق –دوماً- «لا يفوز بمهارات فردية». وقد شرح الأمير هيكل الإمارة الذي صنعه ليفي بالمهمة، وكان هذا الهيكل رديف جهد خلاق في الإحصاء وجمع المعلومات والتحليل وبناء الخطط.
أما في القلب من كتاب الأمير فكان يثوي سؤال التحدي: هل تستطيع المملكة أن تثبت للعالم أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ وأنه دين العدل.. والحضارة والحرية والإبداع؟ ليتنا جميعاً نقرأ كتاب الأمير!

[email protected]