تنشر الصحف المحلية يوميا عشرات القصص والأخبار التي تشير في تفاصيلها إلى تعرض أفراد أو أسر بالكامل لحوادث مرورية قضوا فيها نحبهم، أو على الأقل تعرضوا لإصابات مختلفة، بعضها خطير والأخرى طفيفة.
وأصبحت قصص الحوادث مادة دسمة للصحف تفرد لها مساحات كبيرة نتيجة مقروئيتها العالية، ما دعا القائمين عليها إلى التعاون مع بعض منسوبي الإدارة العامة للمرور في مختلف المناطق لتزويدهم بأخبارها مدعومة بالصور اللازمة لذلك.
وبالرغم من حجم الفظائع التي تنشرها هذه الصحف، إلا أن معدل الحوادث المرورية أخذ في الصعود، الأمر الذي جعل من السعودية تتصدر دول العالم بمعدل 17 ضحية يوميا، دون حديث جدي عن حلول جذرية للحد من هذا النزف البشري والمالي سوى بنظام “ساهر” لإدارة الحركة المرورية الكترونيا.
المفارقة أن الجهات ذات الاختصاص عندما أقرت نظام “ساهر” لم تجد لهذا المشروع الدعم اللائق به من مختلف شرائح المجتمع، بالرغم من سمو فكرته ووجاهة مقصده.. ما يطرح سؤالا: هل المشكلة في “ساهر” كنظام مروري؟ أم في الكيفية التي يطبق بها؟ أم في عقلية البعض ممن لا ترغب في أي قيد، حتى لو كان هذا القيد يضمن لها، بعد مشيئة الله، النجاة والسلامة.
من يتفحص مكونات “ساهر” سيجد أنه يتألف من نظام لتشغيل وإدارة حركة المرور آليا، وآخر لتتبع مركبات جهاز المرور، وثالث للتعرف على لوحات المركبات، ورابع للوحات الإرشادية الالكترونية على الطرق، وخامس لمراقبة الحركة المرورية، وسادس لضبط المخالفات الكترونيا، على أن ترتبط جميعها بمراكز القيادة والسيطرة في مختلف مناطق المملكة. إلا أن التطبيق العشوائي لهذا النظام، وغيابه عن الشوارع الداخلية، وقصره على الطرق السريعة وبعض التقاطعات الحيوية، وتغيير مواقع سياراته المعدة للمراقبة من مكان إلى آخر، أو اختبائها عن أعين السائقين خلف الجبال أو بين الأشجار، وحصره على رصد بعض المخالفات كتجاوز السرعة وقطع الإشارة، جعل الجميع بلا استثناء ينظر له باعتباره جهاز جباية وليس حماية.
واقع الحال يشير إلى أن العديد من المخالفات التي تحدث في الشوارع الداخلية أو الطرق السريعة ولا ترصدها كاميرات “ساهر” أو أعين رجال المرور تمر مرور الكرام، رغم تجاوز خطورتها في بعض الأحيان خطورة السرعة المفرطة أو قطع الإشارة.
ولكن لأن القائمين على نظام “ساهر” ارتضوا أن تكون بدايته عرجاء، نتيجة عدم اكتمال شبكته الالكترونية، ومحدودية تغطيته الرقابية، فقد أكسبوا له الخصوم قبل جلب الأصدقاء.
الأكيد أن هذا النظام لكي يكتب له النجاح يجب أن يكون بديلا لرجل المرور في الشارع، وشبيها بنظام المراقبة الالكترونية الشهير في المملكة المتحدة باسم (سي سي تي في) (CCTV)، والذي يشار له صراحة في كل مكان تشمله هذه التغطية، ليس بهدف اصطياد المخالف عند مخالفته، بل لمنعه عن ارتكاب المخالفة.
الأمر الآخر يحتاج النظام إلى أنسنة في تعامله، فمن غير المقبول أن تكون العقوبة حاضرة عند أول خطأ يرتكب، كما أنه من غير المقبول استمرار العقوبة دون تدرج في الغلظة رغم تكرارها.
الأمر الأخير لا بد من وجود محكمة مرورية تنظر في الطعون المسجلة على النظام وتطبيقه، وتنتصر لأصحاب الحقوق سريعا عندما يقع عليهم ظلم بين، خلافا لما هو قائم حاليا، عندما يجبر المواطن على القبول بالمخالفة دون اعتراض، ليقينه بتعطل مصالحه إن فكر في عدم السداد.. فهل يشهد النظام تغييرات جوهرية تنعكس نتائجها على ثقافة القيادة في السعودية؟ أم سنظل ننظر للنظام بأنه للجباية وليس الحماية.

 

[email protected]

alnowaisir@