إن تحقيق النقلات الكبرى وسواها يفرض على فاعليها اليوم أكثر من أي وقت مضى الأخذ بأسباب العقلنة والترشيد المستمدة من الذات التاريخية أولا، ومن نظم الإنتاج والتسيير التي كان بمقدور هذه الذات أن تنالها بالسبق والاستحقاق لو لم تعقها عن ذلك عوامل انتكاس وتصدّع داخلية، إضافة إلى عوامل انطلاق التفوق الأوروبي منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر، من حيث إن هذه النهضة الأوروبية استلهمت التراث اليوناني لصالحها وأن الرأسمالية، كما أظهر ماكس فيبر، مدينة في نشأتها وانتشارها إلى البروتستانتية بالشيء الكثير، وأيضا من حيث إن تطور الاقتصاد في بعض أقطار آسيا في العقود الأخيرة تلقى زخمه المعنوي التحفيزي من الكونفشيوسية، حسبما بيّن ميكو موريشما، فإن من الجائز والممكن -كما يُستفاد إلى حد دال من تجارب إندونيسيا وماليزيا مثلا- أن يكون للإسلام الثقافي والقيمي وفلسفته الاجتهادية العملية دور نوعي مخصوص في خلق شروط إحداث «المعجزة» الاقتصادية المرجوة، والتقدم العلمي الفكري المنشود، وذلك كله في سياق وجوب كسب الرهان الحضاري والتنمية البشرية الكلية وبروز القطر -القدوة أو التجمع- المنارة. وفي هذا السياق وحده كدينامية مبدعة وصيرورة تأصيلية كمّية وكيفية تتلاشى الصدوع والتوترات المعيقة وتتجاذب العقول والذهنيات إيجابيا نحو الأفيد والأجمل والأرقى، فترى الأصولي الحق قادرا على استيعاب الوعي التاريخي ومميزا بين الحي والمتقادم في النصوص التراثية؛ كما ترى الحداثي متخذا موقف النقد إزاء كل تغريب إن كانت محصلته الاستلاب والولاء التبعي وفقدان الاعتبار الذاتي وطاقات المنافسة والمبادرة والخلق. فكما جاء في تقرير لهيئة الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي: «إن شريعة الإسلام ليست نظاما منفصلا عن تطلعات الناس ومصالحهم، ولكنها -بمصارها كلها- وسيلة هذه التطلعات وحماية تلك المصالح، وهي عدل كلها ورحمة كلها» (2003، ص45).