المشهد الأول:
دق جرس الانصراف في المدرسة ليرتفع صوت فتية المرحلة الابتدائية وهم يتصايحون ويتشاكسون في طريقهم للخروج من الفصل. انهمك (محمد) في لملمة كتبه وأدواته على مهل، غير عابئ بخلو الفصل وبقائه وحيدا فيه. مرت عشر دقائق ليمد فجأة المشرف الطلابي رأسه من خلال باب الفصل وينظر إلى (محمد) في برود ثم يقول (انتا لسه هنا!) ثم ينسحب فجأة كما ظهر بدون انتظار إجابة. مر الوقت ببطء والأصوات في المدرسة تخفت وتخفت، وبدأ محمد يشعر بالقلق، فليست العادة أن يتأخروا عليه هكذا. وهنا قرر أن يتحرك! فقام بحرص بوضع ثقله على يديه وأرجح جسده الهزيل ليُسقط نفسه ببطء على الأرض، ثم بدأ الزحف على بطنه جارا خلفه ساقين ضامرتين. سحب (محمد) نفسه لأسفل الدرج، ثم أكمل زحفه عبر الساحة الترابية في شمس الظهيرة إلى بوابة المدرسة المغلقة، ليدق عليها بقوة مناديا الحارس الذي صعق حين رآه، في نفس الوقت الذي وصلت فيه سيارته، ونزل السائق راكضا ليحمله بوجه حزين وهو يقول بلكنته الإندونيسية (معليش أنا في تأخير).
المشهد الثاني:
قال (محمد) لأستاذه في الجامعة (دكتور ممكن حضرتك تطلب تغيير القاعة مراعاة لظروفي) لينظر الدكتور إليه في كرسيه المتحرك ببرود ثم يقول (أيش مشكلتك؟ خلي أصحابك يشيلوك) ليقضي محمد بقية الفصل الدراسي محمولا على أكتاف أصدقائه إلى الطابق الثاني في مبنى ليس به مصعد. وفي الأيام التي يتأخر فيها قليلا ولا يجد أحدا من أصدقائه ليحمله، يظل جالسا عند أسفل الدرج ليراه الدكتور في خروجه «لكيلا يحسبه غياب».
نظرت إلى (محمد) وقد ترقرقت عيناي بالدموع، واشتعل قلبي حزنا على حال هذه الفئة في بلادنا، ولكن ما أثار اندهاشي حقا هو تلك الابتسامة اللطيفة المرتسمة على شفتيه، وذلك الإصرار المنبعث من كلماته وهو يستطرد الحديث عن إنجازاته في مجال التطوع وعن نشاطاته في المطالبة ببيئة أكثر مراعاة وتفاعلا لاحتياجاتهم. نظرت إليه ولم يسعني إلا أن أفكر، ترى كم من جالس عن العطاء وساقاه واقفتان! وكم من واقفٍ بالطموح والنفع وساقاه جالستان!