هي استدارة تنقسم أرضيتها إلى عدة مثلثات، ويمكن أن يكون كل مثلث منها مختلفا كليا عن مكونات المثلثات الأخرى.

وتتشارك عموم المثلثات المكونات الأصلية للبيتزا من عجين ومعجون طماطم، وجبن؛ وتختلف بقية المكونات، فيتجه النباتي للمثلث الأخضر، ومن أراد اللحم، أو الأنشوجة، أو الفطر، أو غيرها فعليه أن يتبع نظره وشمه وفاقته لاختيار مثلثه الأنسب.
وبالتأكيد فإن فلسفتي هنا لن تقف عند تباين مكونات البيتزا، ولكني سأستخدمها كمقبلات للكلام عن الفلسفة بشكل عام، وكيف أنها فعلا تشبه البيتزا، فالفلسفة قاعدة مستديرة ضخمة يوجد فوق مثلثاتها جميع الأفكار الكونية، موجبها وسالبها، والـ»مع والضد»، ففيها مدارس دينية، تمكن من ينطلق من أساس إسلامي مثلا أن يتناول فقط المثلث الخاص بمدرسته، وكذلك المسيحي أو البوذي أو الكونفشيوسي أو الطوطمي، وغيرها، فيلتزم كل منهم بمثلثه، ويتحاشى تذوق المثلثات الأخرى.
قرصها يحتوي أيضا على معتقدات إنسانية، وعرقية، ومادية، وعنصرية، وفيها أفكار روحية، وشاذة، وملحدة، مما يمكن لكل شخص في الوجود أن يختار منها ما يناسبه، وأن يبتعد عن المثلثات الأخرى المناقضة أو المتعارضة مع مكونات مثلثه.
صدقا فالفلسفة وجبة عالمية تُرضي جميع الأذواق، والبعض يحيط بمعناها الكلي، والبعض يكتفي بإدمان طعم مثلثه، الذي يعرفه، ويلتزم به، ويتمنى أن يقنع بروعته جميع الخلق.
ولكن من ينطلق في الفلسفة من منطلق أحادي ويرفض المثلثات الأخرى لا يتمكن من معرفة ما هو موجود فوق كامل دائرة عجينتها؛ فقد يعرف أنها تحتوي على معجون الطماطم، والجبن المشترك، ولكنه عندما يتكلم عن المكونات الأخرى فإنه يصفها نظريا، ومن أفق ومذاق مثلثه الخاص، وليس من منطق تجريب ومعرفة، لذلك تكون فلسفته ناقصة مهما حاول أن يعظمها، ويقنع سامعيه بجودة أفكاره فيها.
لكي تكون فيلسوفا حقيقيا فلا بد أن تكون قد تعرفت على جميع المثلثات، وتذوقتها، دون تبني رفض مسبق لمحتوياتها، أو تخيل وهمي لطعمها، ولقدر تناغمها مع العجينة والجبن.
على مر التاريخ كان الفلاسفة يتكلمون عن مدارسهم، ويناقشون بشفافية بعض المدارس الأخرى، بينما يظل الكثير منهم محبوسا في مثلثه الخاص، يحاول قدر الإمكان أن يتفلسف بمنطق أحادي، وربما يعجز عن تقبل الآخرين، ولا يستطيب نظرياتهم، بل على العكس فربما يحاول تصوير قصورها بمنظوره الخاص مهما كان قاصرا أو مختلفا.
لذلك ستظل الفلسفة غير مكتملة عند كل من يحاول تلخيصها بمفردات مثلثه الخاص، وبإنكار بعض الجمال والطعم في المثلثات الأخرى، ومهما كانت شديدة الغرابة والتناقض والتعارض مع محتويات مثلثه.
وتلك هي معضلة جميع الفلاسفة المسلمين السابقين واللاحقين، ممن استهوتهم الفلسفة، فكان حالهم إما بمحاولتهم تهميش الأجزاء الأخرى من عجينة الفلسفة العالمية، فلا يدركون الطعم الفلسفي فيها، أو أنهم يتذوقون ذلك فيواجهون بحروب شعواء من عاشقي المثلث الخاص بهم، وبما يجعلهم مُنكرين، مُكفرين.