«الاحتساب» قيمة إنسانية وشرعية سامية، وممارسة (الإفساد) بدعوى (الاحتساب) من بعض المدعين جناية على الشريعة وعلى البلاد وعلى المجتمع. والسؤال: من المستفيد من إثارة «عواصف الاحتساب» من حين لآخر؟! ولماذا هي ذات الأسماء تتكرر عند كل صيحة؟! ولماذا التخوين المتعمد لشباب وفتيات البلاد، ومحاولة إظهارهم بأبشع وأقذع الأوصاف؟!
شبابنا ذكوراً وإناثاً هم نتاج بيوتاتنا ومدارسنا ومساجدنا، هم نتاج أيدينا وما غرسنا فيهم من القيم والآداب، فالذي يشكك فيهم فليشك في نفسه أولاً، وقبل التوجه باللّوم على التغريب والتشريق يجب أن ننظر إلى سلوكيات بعضنا المنفرة من الدين وأهله، فالعاقل من أصلح عيوب نفسه قبل أن يطالب بإصلاح عيوب الناس.
اعتبار (مدعي الاحتساب) أنفسهم أوصياء على الناس من الله؛ فيه تدليس على الناس بأنهم أهل الغيرة على الدين والمجتمع وسواهم ليس لديه غيرة!
وهل الغيرة تستلزم القذف والتشهير ورمي الكلام على عواهنه دون خوف من الله، ولا رادع من خُلق، ولا هيبة من سلطة! يتناسون كل المبادئ والقيم والأخلاق أمام طغيان شهوتهم التسلطية في السيطرة على المجتمع مدّعين لأنفسهم العصمة والقداسة والطهر والنقاء! يدغدغون عواطف البسطاء بـ(وهم حراسة الفضيلة وحماية الأعراض) لا يردعهم دين من الخوض في أعراض الناس، ولا يردعهم خلق من القول بأقبح الألفاظ، ولا تردعهم وطنية من تأجيج الفتن.
من أبرز ما يتعجب له المتابع لـ»عواصف الاحتساب» (اللغة العدائية) في (الخطاب الاحتسابي) من أولئك الذين لا يمتون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصلة، بل هم أناس أرادوا أن يفرضوا حضورهم على المجتمع باسم (الاحتساب) فتلخصت دعوتهم في التحريض على الكراهية، وانتهاك الخصوصية والتجسس، والتأليب على الدولة، ولم يكن الاحتساب الذي دعانا الله ورسوله إليه بالسب والشتم وقبح اللفظ والقذف! ولم يكن بتأجيج الناس وتحريضهم على بعضهم! ولم يكن بتخوين الفتيات والتشكيك في دينهن وأخلاقهن!
السؤال الكبير؛ إذا كانت «عواصف الاحتساب» هي (حراك لتيار مجتمعي) ممن يصفون أنفسهم بـ(المتدينين الغيورين)؛ فأين العقلاء عن تلك التجاوزات الشرعية والقانونية والأخلاقية؟!
العلماء وطلاب العلم والدعاة هل هم (غائبون أم مغيّبون) عن «عواصف الاحتساب»؟! أم إن عين الرضا لا تبصرها؟! فإذا كانوا يُقرّون بصحة (فعل وقول) مثيري «عواصف الاحتساب» فعليهم أن يدركوا بأننا جميعاً في مركب واحد؛ ولو غرق سيكونون أول الغرقى، بالطبع لا نعدم وجود (عقلاء) للقيام بدور الإصلاح والتوجيه والنصح للجميع دون استثناء أو محاباة، وذلك درءا للمفاسد التي ترتكب باسم الله عبر «عواصف الاحتساب».
في كل مرة تخرج لنا «عواصف الاحتساب» نحتاج لتفكيك الخطاب حتى يفهم القصد، فمعارضتنا لانتهاكات المحتسبين لا يعني إنكارنا للشعيرة الربّانية التي أمرنا الله بها، ولكن هناك فرق بين شعيرة الحسبة وجهاز الحسبة الحكومي ورجال الحسبة الرسميين والمحتسب المستقل، وأغلب الذين يثيرون هذه العواصف هم من المدعين الذين يسيئون للجميع.

[email protected]