في ديباجة إعلان اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية، تجاوزت حيثيات التقليد الثقافي العالمي مألوف ما سبق وأن قُدمت فيه مدن سبقتها، فتخيلتُ كما لو أن سيرتها المجهولة لكثير من أبنائها ستنبعث فجأة مفارقة كل محافل المدن، وأن ركاماً سنياً من الحكايات والأزمنة والناس والأحلام والمعرفة أُذن له بعيدٍ لمدة عام، تتوضأ فيه الذاكرة من غبار التناسي والنسيان. وتلبس حلة الفرح والترف احتفالاً بعيدها. وأن أزمنتها الضوئية منذ سني وسنا النبوة المطهرة، تختزنها عبقريات تحيلها كرنفالا للتاريخ والمعرفة والثقافة والإنسان. وأن زوَّارها المحبين المدنفين شوقاً إلى ذرى الطهر المصفَّى يسعون من مشارق الكون ومغاربه. يرودون مشاهدها، فتتجلى لهم أضواء روحها الفتان فكراً وأدباً وفنوناً ومواريث ثقافية واجتماعية أصيلة الجذور. تخيلتُ إرادة تروم إحياء ما ذوى من أحساس أهلها بمعنى أن تكون مدينياً. وأن سحابة من الحياة عاطرة الودق، تحيي ذكرى الراقدين من عظمائها في بقيعها الأشم، تنفث تعويذة الحياة على عظامهم، فتبعث عظمَتَهم وصنائع عقولهم وإرثاً وهبوه زهرة أعمارهم؛ ليملأ ما بين لابتيها فكراً نيراً وعطاء معرفياً غير منقوص، شرَّق وغرَّب فعُرفت المدينة به، وأضحى غريباً فيها. تخيلتُ نهارات وضيئة تزدهي باعتداد، وبمناسبة هي أقل من شأوها السماوي وفضائل اُختصت بها من بين المدن والأماكن، وأن ليلها يفيض قناديل من البهجة والوئام تشرق في لحظاته المواسم والمواقيت، وتزهر الرؤى والأحلام. تخيلتها لافتة كونية لافتة، تحيل كل ذراتها إلى وجود عرسها الثقافي، حراكاً معرفياً متوقداً تديره همم خبرت موروثها المعرفي فأعادت مظاهره وتجلياته للناس... وكأنه ظمأ العاجز إلا من الأحلام، لا ملاذ له إلا الخيال، بعصمته يلوذ عديمو الحيلة، وحيرى الأبصار.
الخيال الأفق المتاح حتى لا يغتالنا شرك المستحيل. فأن تحلم فذلك يعني أن تقف عند تخوم شاطئ متناهي الأبعاد، تنظر ما يرمى به المد، في كل مرة يفيض ويفيض جزراً يكر، يرطب الأطراف بوعد إرواء لا يتحقق.
مع الساعات الأولى لفجر السنة الموعودة، كانت رجفة قلوبنا تلوذ بنبض قلبها النضاح بالحياة. جوهر مباهجها ومناط قدسيتها الممهور بأمر السماء. فسماؤه القبة الخضراء أيقونته الزاهية ومعلمه الأوكد والأبقى في ذاكرة المسلمين، تاج وسطها باتجاه السماء، وقاعها هو الطهر الأقدس الأعلى على كل ما علا على الأرض أوصعد السماء. القبة الخضراء اللافتة الكونية التي تعيها كل الأبجديات، هكذا ألفها المسلمون وتعاهدوها وعهدها العاشقون والعباد.
كانت تباشير شعار المناسبة، دون أدنى درجات الخيال وآفاق التصور. جاء الشعار غفلاً من القبة الخضراء، أو كأنها استؤصلت منه باجتهاد ما.. الكرة الأرضية ومئذنة ما لبثا أن كانا المعتمد والعماد، لم يتجاوز الشعار بُعد أن يكون رسماً على كل المكاتبات الرسمية لدوائر المدينة المنورة لمدة عام. ثم مؤتمر الأدباء السعوديين، حيث ألصق بالمدينة المنورة وهي خارج موضوعه، وجاءت له حاضنة فيزيائية محضة، وهي في أقصى هوامشه اعتبارا.
معارض وندوات ومحاضرات وبرامج إذاعية وتلفزيونية تملأ سجلاً سيؤرخ للمناسبة أو تقريرها النهائي بلغة الإداريين، وهو مقنع في دوائرهم، وليس كذلك لمن يقيس جوهرها وجدواها. وإن جاء من أقصاها من يسأل أهلها: هل مسَّكم من نور عامها عاصمة للثقافة قبس، أو اهتدى أحدكم إلى ما يملأ أحداقه وهجاً بأنه كان ثمة مناسبة وثمة احتفال؟.
انصرمت أيام زمن مناسبة المدينة، وقد كانت أزمانها مهيأة لأن تكون احتفالاً بالثقافة والدين والمعرفة والتاريخ والإنسان، ومواسم في جوهرها ما يميز دور المدينة المنورة، مدينة من أسمائها (المسكينة) العظيمة في مسيرة الإسلام وتاريخه المجيد، وفي مدوناته الأصيلة تأكيد على دور الزمن والمكان في تمثيل ثقافة يعجز عدُّ مظاهرها وتجلياتها. معانٍ كان ما قُدم عن عاصمة الثقافة دونها، إذ ليس ثمة غير مناشط تلتئم بالمتفق، وتتكون بالمتاح رغم إخلاص وحماس وصدق القائمين عليها.
هل ثمة شطط في أحلام مدني لا يلوي على غيرها يتساءل: هل ما حدث أزمة بالإمكانات، أم أزمة وعي بالفكرة وفلسفتها، أم أزمة تصور لما كان ينتظر أن يتجلى خططا ومشاريع ومظاهر كان المسلمون في أرجاء الأرض والمدنيون ينتظرون أن يسمعوا صوت (طلع البدر) بنداوة وضياء سيرتها العطرة؟.

[email protected]