مساء الجمعة الفائت دشن صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز فعاليات سوق عكاظ في دورته الثامنة بمدينة الطائف نيابة عن راعي الحفل خادم الحرمين الشريفين، ورعاية الملك عبدالله للحفل وافتتاحه من الحاكم الإداري للمنطقة يدلان على رعاية الدولة للتراث الحضاري الوطني للمملكة والعناية بالمناشط الحضارية والثقافية.
وجاء حضور الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار حفل الافتتاح، وكذلك دور الهيئة البارز في فعاليات السوق مؤشرا على عناية الهيئة بمواقع التاريخ الإسلامي والتراث الحضاري والآثار الإسلامية، وإسهاما منهما في التنمية الوطنية المستدامة وإثراء الوعي المجتمعي.
وكان في استقبال سموه معالي محافظة الطائف الأستاذ فهد بن معمر مرحبا ومعبرا عن سرور أهالي الطائف وعاشقي التراث بمقدم سموه وانطلاق فعاليات سوقهم التاريخي وهو رئيس اللجنة التنفيذية للسوق التي فعلت سياسة اللجنة الإشرافية التي يرأسها سمو أمير المنطقة وعمل مع اللجان العاملة في السوق ما في وسعهم نحو الارتقاء بالسوق ومرافقه وتنظيم فعالياته بما يرتقي بالجهد إلى ما يليق بعكاظ وبما يكون جاذبا للزوار ولقد كان تنظيما مميزا وفعاليات متنوعة وحفلا حافلا بالجمال والثراء.
ولقد ازدهى سوق عكاظ في دورته الثامنة بافتتاح عدد من المشاريع والفعاليات المستحدثة ومنها مسجد على نفقة بكر ويحيي بن لادن، وخيمة فعاليات وزارة التعليم العالي والقرية العربية ومعرض الصقور النادرة والمحنطات وماراثون الأصيل واستعراض جمال الخيل وبيت الشعر التراثي والطريق المزدوج إلى موقع السوق، وقد توج السوق بجائزة الإبداع التي استحدثها أمير المنطقة ومنحت لسمو الأمير خالد الفيصل والأمير سلطان بن سلمان لدورهما الإبداعي في تطوير السوق.
ولقد أثرت فعاليات السوق مشاركة (24) جهة حكومية في فعالياته وتنظيم ثماني ندوات وأمسيات شعرية يحييها (33) مثقفا من الداخل والخارج، ومسرحية فارس قومه المعبرة عن الشاعر الفارس عمرو بن كلثوم صاحب إحدى المعلقات وملاحم التاريخ العربي.
ومن اللوحات الجمالية التي زينت وجه عكاظ اللوحة الجدارية للدعاء لخادم الحرمين الشريفين ليدون المواطنون والمقيمون وزوار السوق مشاعر الحب والوفاء والدعاء بسلامة الملك، وإنها لصورة الولاء القلبي لعبدالله بن عبدالعزيز التي عبرت عنها في مقالي السابق الملك والولاء والانتماء.
إن إحياء سوق عكاظ واهتمام ولاة الأمر به يأتي لأهميته ومكانته فالملك فيصل عمل على تحديد موقعه والملك عبدالله يتبنى مشروع الملك عبدالله للتراث الحضاري للمملكة وسوق عكاظ من ركائز هذا التراث، وحكام المنطقة الإداريون الأمير عبدالمجيد يطلق السوق في دورته الأولى عام 1428هـ ثم يشهد السوق النقلة التطويرية التي رسمت ملامحه على يد الأمير خالد الفيصل واليوم الأمير مشعل بن عبدالله يشمل السوق برعايته، فيفتتح حفله ويدشن مشاريعه التطويرية نحو الوصول بالسوق إلى ما يؤمل له من المكانة وليعود إلى الذاكرة العربية كما كان.
لقد كان سوق عكاظ أشهر أسواق العرب يعقدونه في العشرين يوما الأولى من ذي القعدة في طريقهم إلى الحج ثم سوق مجنة في العشر الأواخر من الشهر، والثمانية أيام الأولى من ذي الحجة لسوق ذي المجاز ومنه يجيزون إلى عرفات.
وقد نال عكاظ شهرة كبيرة لارتباطه بالحج ووقوعه على طرقه واجتماع العرب فيه، به يلتقون وفيه يتعارفون وعلى أرضه توثق علاقاتهم وتعقد أحلافهم أو تحل فيتنافسون في الخطابة والشعر والحكمة والفروسية والرماية، تجلب إليه تجارة اليمن والشام والروم والفرس وما يحمله الحجاج، فكان منبرا إعلاميا ومنارة ثقافية وسوقا تجاريا ومحضنا اجتماعيا.
ولقد عمر نحو ألف عام منذ نحو الألف الرابع قبل الميلاد حتى 129هـ في الإسلام، وإذا كانت نشأته في الجاهلية فإنه استمر في الإسلام، وذكرت مصادر السيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي القبائل العربية في أسواقها ومواسمها فيدعوها إلى الله ويعرض عليها طلب النصرة فكانت تلك الأسواق والمواسم منابر للدعوة.
وقد أهمل «عكاظ» بعد تدميره نحو 1300عاما لعوامل تاريخية أهمها تغير الأنماط الحياتية وتحول الزخم الحضاري والتنقل البشري إلى الأمصار وظهور أسواق بديلة كسوق المربد في العراق وأسواق المدن في حواضر الإسلام.
وتأتي دولتنا المباركة لتحيي السوق كما كان عليه في الإسلام إيمانا منها بأن المعرفة بالجغرافية الوطنية وتراث الأمة والقيم والأخلاقيات من عوامل الاعتزاز الوطني المسببة للانتماء والولاء والمؤدية إلى وحدة النسيج الوطني والأممي والدافعة لحماية الأمن والاستقرار.