كنوع من الاحتيال »المشروع«، وبمبدأ الحب والهوس والشغف المعرفي تبيح المحظورات، بادر جيل السبعينات والثمانينات بتسريب بعض الكتب خلسة، متجاوزين فكرة الحظر على عناوين تصطدم بموروثات اجتماعية وتضاد ثقافي مع اتجاهات المجتمع.
يقول الكاتب المسرحي الكويتي بدر محارب عن مجازفة تهريب الكتاب: لا أراها مجازفة، فالكتاب الممنوع تم منعه بناء على وجهات نظر معينة وأمزجة خاصة، تخشى من افتضاح أمر ما أو كشفه للجمهور، أو هي خائفة من نشر الوعي في قضية ما للسلطة فيها وجهة نظر خاصة، لذا لا أرى مجازفة في الاطلاع على وجهات نظر تخالفني أو تخالف أصحاب القرار، وحين أنتهي من تهريب الكتاب أشعر بعدم جدوى المنع وفرض الوصاية على الناس، هذا في السبعينات والثمانينات، واليوم أجد من المضحك منع كتاب مهما كان نوعه، في ظل وجود ثورة الاتصالات وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتوفر الكتب على الانترنت مع سهولة تحميلها والاحتفاظ بها في لوح الكتروني صغير يسمى «آي باد» إضافة إلى أن الآراء يمكن دحضها بآراء مثلها.
ويستعيد الشاعر عبدالعزيز الشريف الذكريات: أيام لا تنسى في رحلة الكتاب ومعاناة البحث عنه، سفر وبحث وشح في المنتج الطباعي، وكانت القاهرة وبيروت وبغداد قبلتنا للحصول على الكتب من خلال معارضها أو مكتباتها التي كانت تدهشنا، مثل: مكتبة مدبولي في القاهرة، الجادة في شارع الحمراء ببيروت، ابن رشد ببغداد وغيرها.
ويقول الشريف: من طرائف تحايلنا على الرقيب، في تهريب بعض الكتب، التي أصبحت فيما بعد متداولة وعادية لأنه لا خطورة منها أصلا، أننا وعند عودتنا من بعض الدول محملين بالكتب، نتعمد نزع أغلفتها الحقيقية ونضع عليها أغلفة لكتب تراثية أخرى لا تثير الشك أو الريبة، كغلاف كتاب سيرة عنترة أو الزير سالم، وما هو على شاكلتهما.
من جانبه، يتذكر المسرحي والقاص عبدالعزيز عسيري: عندما كنت أدخل بعض المكتبات خارج المملكة تعاودني وصايا الأصدقاء بجلب كتب معينة أو مؤلفات مؤلف بعينه لعدم توفرها بسبب المنع ثم تجد الموصى به أمامك على واجهة المكتبة أو في مكان بارز أو يقتنصك البائع الحذق الذي يتعرف على جنسيتك سريعا فيأخذك إلى كتب بعينها، فتجد ضالتك وأخرى لم تكن من ضمن قائمتك فتصبح أنت المهتم الأول وتلقي بالوصايا خلفك.
وعن دافع تهريب الكتب يؤكد عسيري: كنت أقوم بتهريب كتب محظورة بدافع حب المعرفة أولا واضطر إلى إدخالها، لأن الوقت لا يساعدك على إنهاء قراءة الكتاب الواحد خاصة إذا كان بعدة أجزاء أو لديك مجموعة من الكتب ثم يتطور الأمر برغبتك في إطلاع أصدقائك.
ويعترف القاص والمدرب خالد الخضري بتهريبه الكتب قائلا: فعلا كنت ممن يهربها، في فترة ما قبل انتشار الانترتت في المملكة، وذلك بسبب الرقابة المشددة عليها في تلك الفترة، وحدث أن هربت عددا من الكتب الفكرية والأدبية والروايات الممنوعة وغيرها.
من جهته، يقول الكاتب والقاص حسن آل حمادة: لا أتصور أن تجد مثقفا لم يسعَ يوما لتهريب كتاب، شخصيا كنت أقتني من البحرين كتابات غازي القصيبي وعبدالله القصيمي وتركي الحمد وتوفيق السيف وغيرها من الكتب التي منعها الرقيب في وقت ما.

الكتاب الممنوع يمكن السماح بتداوله والرد عليه بالطريقة نفسها وبكتاب آخر يفند كل ما جاء فيه، لكنه حب السيطرة وفرض الوصاية والتلذذ بإصدار الأوامر والقوانين القمعية والتمتع بمصادرة الرأي الآخر، وأني أتذكر: قبل فترة أحضرت معي كتبا من الأردن كان من بينها رواية «إحدى عشرة دقيقة» لكويلو وكانت ممنوعة في الكويت، ولم أتعرض لتفتيش دقيق، عادة يأخذون الكتب ويعطونك إيصالا لاستلامها من وزارة الإعلام.
بدر محارب

منذ أن تضع الكتب المهربة في حقيبتك تنتابك حالة من القلق، فتضع عدة خطط لإقناع موظف الجمارك لتمريرها في حال اكتشافها، فلما تشاهده تشعر أنه خصم يجب التخلص منه، وعندما تنجح في المرور دون اكتشافك تحس أنك مناضل حققت نصرا مبينا، ولا أنسى صديقا استعار مني رواية كانت ممنوعة في حينها، ولم يعدها منذ عشرين سنة تقريبا، وقال لي اشتكيني.
عبدالعزيز عسيري

في أوائل التسعينات الميلادية كنت بمصر وعند عودتي أحضرت معي عددا من الكتب، وحدث أن قام المسؤولون عن الرقابة بمطار جدة الدولي بمصادرتها، وتحويلها إلى الإعلام لمراقبتها حتى يتم الاتصال، الذي لم يكن يتم، فتصادر حتى لو كانت كتبا غير ممنوعة، بعدها تعلمت أهمية تهريب الكتب، ومكتبتي التي تزيد عن أربعة آﻻف عنوان، معظمها كتب مهربة.
خالد الخضري

كنت أشعر بسعادة بالغة حين تفلت كتبي المهربة من عيون المفتشين، والسبب الذي يدعوني للتهريب هو سعيي للحصول على حقي في القراءة والاطلاع، ولا أدري بأي حق تمارس عملية منع كتاب ما؟، وفي هذا الصدد أتذكر أنني قلت مرة لمن يراقب فسح المطبوعات: ماذا لو كنت أنا الرقيب وأنت المؤلف، فهل كان سيرضيك أن أمنع كتابك من الدخول.
حسن آل حمادة