حينما استقرت وزارة المالية في أجياد كان أجواد الفاسي طفلا يقطن في منزل أسرته، ويقضي جل وقته في خدمة ضيوف والده من العاملين في الوزارة التي تضم مديريات المعارف والجمارك والأمن، إذ إن ديوان والده كان عامرا بالضيوف ومفتوحا على مدار اليوم، في عادة كانت تتميز بها بيوتات أهل مكة باستقبال الضيوف وتقديم الضيافة لهم خلال فترة إقامتهم، إذ كان يستمع لأحاديث المثقفين وقصائد الشعر والكلمات التي يرتجلها الضيوف، ويقضي وقتا في تصفح الكتب والمجلات والصحف التي يزخر بها مجلس والده طوال الوقت، إضافة إلى لقائه اليومي بالأعيان والمثقفين أمثال محمد زيدان، وياسين طاها، وأحمد قنديل، وطاهر زمخشري، وأحمد السباعي، وعبدالله عبدالجبار، وإبراهيم غزاوي، حيث كان يخدمهم، وخلال هذا العمل تتلمذ على يديهم.
من هنا كانت الانطلاقة صوب التميز الثقافي والإبداعي، إذ امتلك صفات الكرم والتعامل الإنساني مع ذوي الحاجات من الضعفاء والفقراء، واكتسب منهجا في أهمية العمل الاجتماعي في مساعدة كل ذي حاجة وملهوف، واستفاد من أسفاره مع والده لدول الهند وإندونيسيا وماليزيا والصين في إتقان اللغة الإنجليزية تحدثا وكتابة منذ صغره، وأشرف على تربيته بعد وفاة والده شقيقه الشيخ محمد علي الفاسي، والذي كان من أبرز مشايخ الحجاز، وكان له درس في المسجد الحرام، فوجد «أجواد» أن لديه القدرة لكتابة مقال بعنوان «نريد أن ننهض» وأبدى رغبته في إلقائه في المسامرات الأدبية التي كانت تشتهر بها مكة، وكان سكرتير المسامرات الأدبية في ذلك الوقت عبدالرحمن المنصوري، وكان يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية، فرحب بالفكرة وقال له: «لك مستقبل يا أجواد لكنني لا أستطيع السماح لك بأن تلقي ما كتبت في المسامرات، ولكنني سأعيد كتابة فكرتك بما يضمن وصولها للمتلقي بشرط أن تكون هذه أول مرة أكتب لك فيها، يجب أن تعتمد على نفسك»، فوافق وكانت بداية الانطلاقة الثقافية بالنسبة له، وأصبح سكرتيرا للمسامرات بعد أن تعاقب على إدارتها ثلاثة من المثقفين بعد عبدالرحمن المنصوري، وكان حينها يمتلك قدرات وموهبة في الخطابة.
شغل مناصب متعددة وتولى مسؤوليات أوقاف آل الفاسي، واستطاع طوال السنوات الماضية المشاركة في إثراء الثقافة، والمشاركة بفاعلية في المناسبات العامة التي تشهدها مكة المكرمة في حضور دائم، إذ إن له أسلوب حياة مختلفا، لا يعترف بالعشوائية ولا يتسلل إليه المستحيل، إذ يعتبر أن النظام أساس وعامل من عوامل النجاح والإنتاج، ومنطلق آمن لضمان راحة النفس، يرفض أن يكون للصدفة دور في حياته، فحقق منجزات انعكست على تربية أبنائه ووصولهم إلى مستويات ثقافية وإدارية عالية.
أجواد.. إشعاع جمالي انطلق ضوؤه من أجياد
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
