تحديات الدراما السورية
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
كنت أتابع كغيري بعض ما كانت تتحفنا به الدراما السورية، من أعمال كان يميزها قربها من الواقع الشعبي الشامي البسيط والمرتبط بالأرض، والذي كان رغم معاناته يشعرنا بأصالة الإنسان السوري وتسامحه، وقبوله للواقع المرير، ومحاولاته الدائمة لتزيينه وجعله يبدو مثالياً، فكنا نصدق كثيرا من واقعيتها.
كان هذا قبل دخول الشعب السوري لمغبة الربيع العربي الحارق، ومروره في أتون معاناة جائرة لم يعرفها من قبل شعب من شعوب الشرق الأوسط.
حينها خرج الشعب السوري على طبعه المتعايش مع مرارة أربعة عقود من الضيق والذل والقهر «الأسدي»، فامتلأت الشوارع بجموع المحتجين، مثلما كنا نرى ممثلي «باب الحارة» المناوئين للمحتل والمطالبين بالحرية والعدالة، فكانوا يرتصون في صفوف أبية بهية تُعلي الهمم بنشيد جماعي، وتصفيق ودبكات، ونداءات نميز فيها صوت العزة الشامية الأصيلة تتغنى بترنيمات «يامال الشام»، وألحان «القدود الحلبية». فتصدح الشوارع: «سلمية سلمية»، وتحسم «ما بنركع إلا لله»، وتؤكد «ما منحبك ما منحبك حل عنا أنت وحزبك»، وترفع الصوت «يا بشار اسماع اسماع دم السوري ما بينباع»، وتزيد «من قامشلي لحوران الشعب السوري ما بينهان».
دراما بطولية كانت تنعش الأرواح، وتعتصر القلوب، وتنثر الدموع الأبية من فرط الفخر والحماس.
وكأن الأمر «ما زبط»، فتعنت «بشار» وقابل تلك الشعارات والأناشيد، ببساطير «الشبيحة» وهراواتهم وبنادقهم ومعتقلاتهم، وبدبابات وطائرات القتل والتهجير.
ويتماسك الشارع بصموده ويتعالى نشيده، ليتوارى «بشار» وزلماته، ويصبح النصر على الأبواب قبل أن تقوم الجيرة بالتدخل، فيختلف النشيد: «لا إيران ولا حزب الله بدنا مسلم بيخاف الله»، ويزيد تحديداً «لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة شجعان».
شهور قصيرة صارت الأرض السورية بعدها مسرحا لمهرجان إجرام عالمي يشارك فيه مدمنو سفك الدماء، وينطق فيه الترجمان، ويسود حكم «كل من إيده إله»، ولا يرحم فيه «عزيز قوم ذل».
وانقسم العالم إلى ثلاث كتل، أكبرها يقول: «واحنا مالنا»، وأصلبها يقرر: «بشار باقي»، وأضعفها يلطم: «يا حيف عالمراجل».
المجازر فاقت المستحيل، والكيماوي انتثر دمه بين المتحاربين، والتهجير يُعد الأعظم في تاريخنا المنظور.
الصين كشر تنينها عن لهبه، وروسيا لوحت بالدب الأبيض، وأمريكا وأعوانها شعروا بتخبط قائدٍ أسود الخطوات، مصاب برهاب اتخاذ القرار.
إيران «دخلت بحمارها»، «وحزب الله» يعربد، و»إسرائيل» مغتبطة «ببشار» وبراميله المتفجرة، و»داعش» تقتتل، والخليج يتفق وينقسم، ومجلس الأمن يعتني بمكياج الممثلين.
الشارع السوري استحال إلى خراب وخمدت فيه أصوات النشيد بفعل دوي الانفجارات.
الدراما السورية أصبحت أغنى درا ما عالمية بنوعية وحصرية وغرابة الأحداث، ولن نستغرب منها أي عمل كوميدي أو تراجيدي مقبل، ومهما غالب العجب، وكسر الحجب، ومهما تنقل بنا بين شذوذ التناقضات.
دراما أمامها تحديات عظيمة، بأن ترتقي إلى جزءٍ بسيط من بشاعة الحقيقة، والتي سوف نصدقها وندمع، ونهمس بذلة منكسرين «كأسك يا وطن».
